أردت أن أكتب مقدمة لهذا الموضوع حتى لا يقول أحدكم أن هذا كلام نابع من شخصية مكتئبة، أنا لست هكذا وهذا الكلام نابع من العكس تماما، فالإنسان إذا فهم حقيقة الحياة وحسب لكل شئ حسابه عاشها باطمئنان ومتعة، أما إذا تجاهل حقائق الحياة عاش وبداخلة نقطة ضعف تنغص عليه كل متعه ثم فجأة وجد نفسه أمام ما عاش عمره يتناساه وقد جعله خرابا حطاما.
انظر معي على الى حائط الذي أمامك
تخيل معي
ساعة رقمية
تعد تنازليا
على أيام عمرك
يا ترى
كم تعد؟
هل بقي فيها أيام أم ساعات أم دقائق أم أوشكت على التصفير؟ هل الرقم حقا مهم؟
أم أن مجرد احساساك أن العد تنازليا مهما كان الرقم يعطي لك شعورا غريبا بقرب الأجل؟
بعضهم يقول أن الحياة قصيرة دعنا نأخذ منها المتعة بأي وسيلة ولكن هل سيكون هذا هو المبدأ الذي ستتبناه إذا رأيت العد تنازليا أم أنك ستتسابق لعمل أكبر قدر من الأعمال التي تجلب لك أكبر عدد من الحسنات حتى تحجز لك مكان في الدار القادمة وهي الدار الآخرة.
فإن مثل الذي يملك المال أو القدرات العقلية أو الجسمانية أو الصحة أو الوقت أو أيا من هذه النعم التي أنعمها الله على عباده، كمثل الذي يملك عملة البلد التي يقطن فيها بشكل مؤقت، ولكنه سينتقل في أي وقت إلى بلد أخرى بها عملات أخرى وهي الحسنات، ولكنه لا يعلم متى، وما عليه إلا أن يقوم بتحويل العملات من تلك التي ذكرتها إلى عملة البلد الأخرى وهي الحسنات، حتى يكون معه ما يجعله يعيش في البلد الأخرى في رغد بدلا من أن ينفذ الوقت ويجد نفسه وقد ترك البلد الأولى إلى تلك الأخرى مفلسا.
يفكر الإنسان منذ صغر سنه ويحسب حساب يوم دخول المدرسة ثم يوم التخرج ثم الجامعة ثم الزواج ثم في أولاده وهكذا . ولا يحسب أحد حساب ليوم الممات على الرغم أنه أحيانا ما يكون أقرب من الأحداث التي ذكرتها. لا يتعامل الإنسان مع هذا اليوم على أنه يوم واقع وأنه الحدث الوحيد المؤكد، فالأحداث الأخرى كثيرا ما تتغير لأن الله قدرها بشكل مختلف إلا الموت، هو يوم من أيامنا لا محالة، قرب أو بعد.
وعندما أشاهد الأفلام العربية القديمة أتأمل ممثليها وقد ماتوا جميعا الآن. كيف كانوا؟ كيف كانت آمالهم؟ كيف أن هذا المشهد الذي نراه قد مثلوه ثم غادروا إلى بيوتهم وكل واحد منهم يحمل آمالا ليس لها آخر متصورا أنه مخلد. هؤلاء ماتوا منذ سنوات. ولم يبقى لهم إلا عملهم الصالح أو السيئ، إنني أنظر لهم وأتعجب ممن يظلم الآن، إلى أين يذهب بظلمه، كلها أيام وكل من على الأرض سيموت ويأتي غيرهم.
مشهد آخر
رجل ضخم، صوته كالرعد، ثري ثراء فاحش، يحرم أولاده
وزوجته من ماله حتى يجمعها، ويطمئن حين يزيد رقم أرصدته في البنوك، ويعطي للعاملين
لديه أبخس الرواتب اعتقادا منه أنه ناصح، لديه عمال متفانين بأقل الرواتب (واللي مش
عاجبه يشوف شغل بره).
هذا الرجل مات على سريره في الأربعين من عمره بدون أي انذار سابق وبدون سبب مرضي
إلا أن أجله قد انتهى، ولم ينفعه ضخم جثته ولا صوته المخيف في دفع ملك الموت عنه،
وضع في سريره ساكنا لا يستطيع أن يرد عن نفسه أي شئ، وأهله من حوله يتقاسمون أمواله
التي كان حارسا أمينا لها طوال حياته حتى حرم نفسه من الاستمتاع بها ليستمتع بها
غيره.
ترى ماذا سيدور بذهن ميت قضى حياته هكذا أمام هذا المشهد، أما كان يتمنى أن يتصدق
بكل ماله، أما كان يتمنى أن يتعب في الدنيا ويصبر على عبادة الله أياما معدودات
لينال الجنة إلى الأبد بدلا من تلك النار إلى الأبد.
عزيز القارئ هذا الرجل ضاعت آماله، ولكنك مازلت على قيد الحياة فأسرع بالطاعات قبل يوما مثل هذا وهو قادم لا محالة.
