الشـك والتخـوين في مسلسل الثورة المصرية

23/05/2011

بقلــــم داليــــا رشــــوان


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ... (12) الحجرات

كي يحيا الإنسان بين الناس بشكل طبيعي عليه أن يحذر من الشك في الناس من حوله وتخوينهم بسبب أو بدون، فالحياة مع هذا الشعور تتحول إلى جحيم يميل به الإنسان في النهاية إلى الوحدة معتبرا الجميع أعداءه ويبحثون تدميره. إنه شعور غاية في السلبية يجعلك غير قادر على القيام بأي مهام جماعية لأنك تشك في الآخرين.

وبما أن الأعمال الكبيرة لا تتم إلا جماعيا فإن إنتشار مثل هذا الشعور قد يؤدي إلى إنهيار قدرات المجتمع بأكمله.

وقد أمرنا الله سبحانه وتعالى في سورة الحجرات أن نتجنب ظن السوء بالناس لأن بعض الظن يدخل في نطاق الإثم حين يكون بغير دليل لأنه شعور يهدم الأسس الرئيسية التي يُبنى عليه المجتمع المترابط والمتكافل.

لكننا في هذه الأيام وجدنا الدنيا وقد انقلبت رأسا على عقب ومن كنا نظنه إنسان عادي وجدناه لصا ضليعا في السرقة ومن كان وطنيا وجدناه يتعمد هدم وطنه والعكس صحيح مما جعلنا نشك في كل شئ من حولنا ولم يعد قلبنا يميل لأحد خوفا من أن نكتشف بعد ذلك عكس ما نعرفه عنه.

بعضنا يشعر أنه إن لم يتابع الأخبار فإن كارثة ستحدث وكأن متابعته تؤثر في الأحداث وأنه لو أغمض عينه لينام لن يستيقظ إلا على أخبار سيئة وكأن استيقاظه طوال الليل سيمنع مكروها أو يساعد في خير. لم يعد معظم الناس يشعرون بالأمان وأصبح المستقبل المظلم يحيا داخل أذهان الكثير من الناس والأمل صار ضعيفا.

هذا الشعور سيقتلنا جميعا إذا استسلمنا له ومن واجبنا الآن أن نقاوم مثل هذه النزعات التي لا أنكر أنها الطبيعية بعد المعلومات التي تكشفت في الأشهر الأخيرة ولكن طبيعيتها لا تعني الإستسلام لها ولكن التصدي لها بكل السبل وإن كان هذا التصدي يحتاج إلى الجهد ولكن في النهاية سننعم بالهدوء والسلام مع أنفسنا فنقدم لبلدنا أفضل ما فينا.

لقد خُدعنا لأننا كنا نسمع ولا نهتم بالتحري ومن غير المعقول أن نأتي هذه الأيام فنعكس الآية فنظن بمن خدعونا ظنا حسنا ونسئ الظن بالآخرين.

إنك لا تعرف الفاسدين بالحظ أو بالقرعة أو بالإرتياح العام إنها معلومات وتحريات يجب علينا أن نقوم بها كي نعرف إلى أي جانب ننحاز.
المسألة ليست صعبة ولكننا لم نعتاد القراءة والإهتمام بالمعلومات بل نكتفي بمصدر أو مصدرين ونبني عليهم تحليلات خطيرة نتحدث بها يمينا ويسارا.

إذا كنت أخي تريد أن تعرف الطيب من الخبيث وتريد أن تحكم حكما موضوعيا على أداء من تريد فعليك بالبحث والتنقيب عنه ومراقبة أداؤه عن كثب وتحليل البيانات الخاصة به والسماع بإنصات لمعارضيه ومؤيديه وحججهم والبحث فيها للتأكد من صحة هذه الحجج ثم الحكم عليه وأرفق بند المصالح لجميع الأطراف ولا تستثني طرفا دون آخر لأن المصالح هي التي تحرك الأحداث. ولا تقل لي أنا مشغول وليس لدي وقت لذلك لأنك لديك الوقت الكافي لسماع الشائعات وإصدار أحكام بناءا على أكاذيب والترويج لرأيك وتخوين الآخرين، ولو لم يكن لديك وقت لكان حالنا أفضل بكثير مما نحن فيه لأن هذا يعني أنك مشغول في عملك وغير مبالي بالشائعات ومطمئن أن حال البلد بين أيدي تثق بها.

لا تبني شكك وتخوينك لأفراد إلا على دليل قوي وواقعي تناطح به أما الإفتراضات فهي تؤدي إلى الفوضى، وضع في إعتبارك أن هناك جهات على أعلى مستوى تحاربنا بسلاح الشائعات والأخبار الكاذبة والإيقاع بين فئات الشعب المختلفة وهذا السلاح استخدم من قبل في حرب لبنان والعراق وغزة فهو ليس بجديد.

وفي النهاية أود أن أختم بعنصر الأمان الوحيد للمؤمن وهو إيمانه بالله سبحانه وتعالى وأن الله عز وجل أراد بنا خيرا حين وضع نهاية للفاسدين بثورتنا ولا أحد يسير وفق جدوله بل كله بأمر الله والأحداث هو سبحانه الذي يسيرها إلى ما شاء

وتذكر دائما قوله تعالى
"وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30) الأنفال

وتذكر قوله سبحانه
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216) البقرة

فشكك وتخوينك لن يغير من الأمر شئ وإذا كنت مطمئنا لن ينفرط العقد منك لأن لهذا الكون رب هو الذي يحركه وفق قوانين محكمة وهو العليم الحكيم.

أحداث الدنيا ليست مسئوليتك (طالما أنك ليس بيدك شئ) فلا تجلس أمامها وتضيع وقتك وصحتك النفسية في الترقب والإطلاق التنبؤات المتشائمة فتلك الأحداث بيد الله يسخر من يشاء ليفعل ما يشاء. أما إطمئنانك فهو عنصر هام لك أنت حتى تستطيع أن تحيا بين الناس وأن تفعل معهم ما أمرك الله به وأن تقوم بواجبك نحو عملك وأسرتك وبلدك.

وتذكر قوله تعالى في سورة يوسف:
......ۖ إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90)

وقوله في سورة العنكبوت
وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)

لذا فإن إحسانك لن يضيع هباءا وقد تكفل الله سبحانه بأجرك عنه.

والآن الأولى بك أن تقوم بالبحث حول كل ما يؤرقك وأن تتخذ موقفا بناءا على معلومات محددة وليس إفتراضات فإن كان بيدك إجراء فقم به ثم بعد ذلك إطمئن بالله فهو سبحانه القادر على أن يرزقك وأن يحميك وأن يجازيك خيرا عن كل ما تفعله.




 الصفحة الرئيسية

عودة إلى صفحة ثورة مصر

أعلى الصفحة

حقوق الطبع محفوظة لكل مسلم يرجى ذكر المصدر عند النقل