شاهدت ذات مساء حلقة من برنامج ذو طابع
شبابي يبث على أحد القنوات الفضائية و كان موضوع الحلقة :"ماذا ستفعل لو امتلكت آلة
الزمن ؟ و إلى أي عصر كنت ستطلب منها أن ترسلك؟" و أخذت أفكر في الإجابة ، و لم تمض
دقيقة حتى وجدتني أجيب :بالطبع كنت سأطلب منها أن ترسلني إلى زمن رسول الله (ص)
لأكون أحد الصحابة و التابعين بالتأكيد – وليس المشركين- و العياذ بالله ! فكم
أشتاق إلى وجودي في هدا الزمن وسط هؤلاء العظماء حيث الإيمان الحق وا ليقين المطلق
، حيث الاستسلام و الإذعان لأوامر الله تعالى و نواهيه دون النظر إلى ما يتعارض
معها من مصالح شخصية أو رغبات دنيوية.
فقد كان هؤلاء الصحابة ينفذون شرائع و أحكام الدين ، إبتغاءا لمرضاة الله و طمعا في
الجنة لا لشيء آخر دلك لأنهم شهدوا مولد الرسالة السماوية بين يدي رسول الله فكانت
أفعالهم نابعة عن إقتناعهم التام بأن الله تعالى ما أرسل هذا النبي إلا رحمة
للعالمين.
فحين نزلت آية تحريم الخمر ، ابتلًت الطرقات بأنواع الخمور التي كانت تحويها بيوت المسلمين، و كذلك حين نزلت آية الحجاب هرولت كل امرأة مسلمة إلى غرفتها لتشق أحد أثوابها و تغطي به رأسها ، فلا تخرج إلا و هي ممتثلة لأمر الله .أين نحن الآن من هؤلاء ؟ كم واحد منا يحرص على أن ينفد ما أمره به الله تعالى حتى لو كان دلك يتعارض مع مصلحته الشخصية من وجهة نظره القاصرة؟ ، كم واحد منا اليوم لو أنك خيرته بين دينه و دنياه ،اختار دينه؟ حتى رجال الدين فأغلبهم اليوم و للأسف الشديد يخلطون الحق بالباطل زاعمين أنهم بذلك يسهلون على الناس أمور دنياهم و إذا ناقشت أحد منهم في ذلك تجده يقول لك :" يا أخي هون عليك ، إن الدين يسر،إنما الأعمال بالنيات... " إلى آخر هذه الجمل التي يستخدمها الناس ليريحوا ضمائرهم.
و هذا ينقلني إلى الحديث عن ميزة أخرى كانت
حاضرة في عهد رسول الله و لكننا نفتقدها في هذه الأيام، و هي الوضوح التام في كل
أمور الدين ، فقد كان الصحابة و عامة الناس حين يشق عليهم أمرا أو يختلفون على حكم
من أحكام الشريعة يتوجهون إلى النبي الكريم ليوضح لهم الأمر و يريح قلوبهم بما هو
حلال و ماهو حرام، و كان الصحابة لا يملون من إلقاء الأسئلة على رسول الله ليتعلموا
منه ما يعينهم على أمور دينهم و دنياهم ، فقد كان صلى الله عليه و سلم خير المعلم
وخير المعين بما ينزل عليه من الله ، قال تعالى وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى.إِنْ
هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى }
أما الآن فنحن-يرحمنا الله- نعيش بين علماء و فقهاء بارعون في الاختلاف في تطبيق
أحكام الدين ، و يقدمون لنا فتاوى ما أنزل الله بها من سلطان فلا تجد واحدا منهم
يفتي بمثل ما أفتى غيره في الموضوع الواحد ، و إذا عرضت عليه رأي الآخر تجده غالبا
يصر على أنه هو الأعلم بشئون الدين و الأقدر على فهم أحكامه و تشريعاته.
هذا النوع من العلماء يزيد الناس حيرة و تساؤل ؛ فلا يعلمون أين الخطأ و أين الصواب
، و لاسيما أننا أصبحنا متكاسلين عن البحث والاجتهاد، الذي فيه فائدة عظيمة ، فهو
بجانب أنه فرض على كل مسلم فإنه يتيح لنا الفرصة أن نتأكد بأنفسنا و بمعاونة السلف
الصالح أين الحق فنتبعه و أين الباطل فنبتعد عنه ، وذلك بالقراءة في كتب التراث
التي نقلت عن رسول الله الكثير من هدي السنة و من تفسير لأحكام القرآن الكريم.
و بالرغم من حزني على ما فاتني من أيام كنت
أتمنى أن أولد و أعيش فيها ، أفقت من كل هذه الأفكار على قول لرسول الله صلى الله
عليه و سلم حين سأل أحد الصحابة يوما:"من أفضل أهل الإيمان إيمانا؟ قالوا: يا رسول
الله الملائكة.قال : هم كذلك يحق لهم ذلك و ما يمنعهم و قد أنزلهم الله المنزلة
التي أنزلهم بها. قالوا : يا رسول الله فالأنبياء الذين أكرمهم الله برسالاته و
بالنبوة ، قال: هم كذلك و يحق لهم ذلك و ما يمنعهم و قد أنزلهم الله المنزلة التي
أنزلهم بها، قالوا :يا رسول الله فالشهداء الدين استشهدوا مع الأنبياء و قد كرمهم
الله بالشهادة قال : هم كذلك و يحق لهم ذلك و ما يمنعهم و قد كرمهم الله بالشهادة.
قالوا: فمن هم يا رسول الله؟
قال: أقوام في أصلاب الرجال يأتون من بعدي يؤمنون بي و لم يروني و يصدقون بي و لم
يروني يجدون الورق المعلق فيعملون بما فيه فهؤلاء أفضل أهل الإيمان إيمانا.
و هنا قلت: يالها من منزلة عظيمة تلك التي شرفنا بها رسول الله و لكن ما معنى
الإيمان في قوله "يؤمنون بي"؟هل هو مجرد قول "أشهد أن لا اله إلا الله و أن محمد
رسول الله" في تشهد كل صلاة؟ هل هو تأديةالعبادات المفروضة من صلاة و صوم و زكاة
فقط؟ أم هوالعمل أيضا؟ العمل بكل ما جاء به القرآن و السنة، العمل على تطبيق منهج
الله في كل نواحي و جوانب الحياة مهما كلفنا ذلك من تضحية بعرائض دنيوية زائلة لن
نجني من ورائها إلا متع مؤقتة ،أما ما هو باق فعند الله ،فقد صدق الله العظيم حين
قال {وَْآلاخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى }الأعلى17
بقلم: سلسبيلا
http://www.3attar.jeeran.com
