بقلم داليا رشوان
ظاهرة عدم زواج الفتيات ظاهرة شغلتني كثيرا،
ووقفت أمامها أتأملها منذ سنوات، انظر من حولي، أحاول أن أجد سببا منطقيا لما يحدث،
وكلما شاهدت برنامجا على الفضائيات يتحدث عن هذا الموضوع أجد الكلام كثير والأسباب
كثيرة وعامة لا تستطيع معها أن تجد حلا تقول أنه إذا تم انتهت المشكلة. أبرزهم
البطالة، غلاء المهور، انخفاض المستوى الاجتماعي للعديد من الأسر مما يحول دون أن
يساعدوا أبناءهم على الزواج.
لقد حاولت أن أقوم بدور الخاطبة عدة مرات مع الفشل الذريع، وغضبت لذلك، فقد رأيت أن
صديقاتي لا يأخذون الموضوع بجدية وأنا أريد أن أراهم في بيوتهم "بالعافية" ولا أعلم
لماذا يفعلون ذلك، وكنت أرى أن طريقة تفكير الفتيات ربما هو السبب حيث أنني قوبلت
مرة بأن تقول احداهن: "أصلي أنا بأستخسر نفسي في الرجالة"، وأخرى تقول "مش متخيلة
إن مصيري يرتبط بشخص واحد معرفوش طول العمر"، وأخرى مترددة وكأنها تريد أن تتهرب من
ذلك، وغيرها تتجاهل الموعد المتفق عليه.
بالتأكيد المشكلة مركبة ولكن لنتفحص مفرداتها
سبب يتلخص في "تأخر سن الزواج"، أي أن التأخر يؤدي إلى صعوبته، فحين تدخل الفتاة في
مرحلة العمل والشعور بالذات تجد صعوبة في قبول والتأقلم على شخصية أخرى مغايرة لها
تماما، ومن المعروف أن الزواج يحتاج تنازلات كبيرة من المرأة أو بمعنى آخر ذكاء
سياسي توازن به الحياة الأسرية لتصل إلى حالة الاستقرار، وهذا فعلا شئ صعب جدا
للفتاة التي أصبح لها كيانها وشخصيتها وأفكارها ورسمت شكل لحياتها ليس فيه مكان
لأحد، كما أنها حين تمارس استقلاليتها تجد أنها ليس لديها احتياج فعلي لرجل وتوابع
زواجها ستحمل أعباء خدمة آخرين هي ترى أنها أصلا في غنى عنهم وهي خفيفة بدونهم.
وفي البحث عن أسباب تأخر سن الزواج نصطدم بالمشكلات التقليدية وهي أننا لو افترضنا
أم لديها فتاة في سن 21 وهي شابة جامعية ومستواها متوسط أو فوق المتوسط، مَن مِن
الامهات لديها مثل هذه الشابة وتزوجها لأول من يأتي لها وهو متوسط الحالة كمعظم
الشباب، ما يحدث فعليا هو أنها تظل تؤجل زواج ابنتها تحسبا أن يأتي ما هو أفضل بعد
ذلك لأنها لازالت صغيرة، ويكون هذا فكر سواء الأم أو ابنتها، وقد رأيت الكثير من
ذلك، أسر ترفض ليس لسبب مادي أو معنوي ولكن هل من المعقول أن نعطي ابنتنا لأول من
يأتي لها ولو كان مناسبا؟؟
ثم نأتي للماديات مرورا بقصة القائمة "الآيمة" والمتطلبات الغريبة التي تُطلب من
الرجل عند الزواج والتي ليس لها أي أساس شرعي، وكل ما تفعله هذه الأسرة بابنتها هي
أنها تزرع بذرة الكره داخل من سيصبح زوج لابنتهما، والتصرف اللاشعوري من الرجل بعد
ذلك هو أنه ينتظر أن يغلق عليهما الباب لينتقم منها ويمارس سلطاته عليها بشكل جائر
ردا لكرامته التي لم تسلم من أهلها، أو على أقل تقدير تظل نفسه غير صافية لما لاقاه
من أجل الزواج ويظهر ذلك في شكواه لأصدقاءه بمجرد الجلوس معهم والبدأ في الفضفضة.
هناك سبب آخر وجيه جدا لهذا التأخر وهو الانحراف الذي تفشى في الشباب سواء الفتيان
أو الفتيات، فإرتباط الفتاة بشخص معين لن تتزوجه في النهاية ويضللها بأوهام لن
يفعلها يجعلها تضع صورة محددة لمن ستتزوجه، أو أن صورة حبيبها الأول تظل في مخيلتها
وترفض المتقدمين لها لأنها تبحث عن شكل معين لن تجده أصلا ولكنها لن تكتشف ذلك إلا
بعد فوات الأوان.
هل تربية الفتاة على أن علاقتها بالرجل علاقة ندية وليست تكاملية يجعل لديها صعوبة
في الدخول في علاقة زوجية ببساطة؟؟ أو أن هذا الفكر يجعلها متحفزة ضد الطرف الآخر
قبل أن تراه؟؟ هل علاقة الأب والأم التي لا تظهر منها إلا الخلافات تجعل هناك تردد
شديد في الدخول في هذه العلاقة على اساس أنها ستكون تكرار لمأساة الأب والأم؟؟ هل
تفشي الطلاق في العائلات اعطى صورة سلبية عن الزواج وكأن من يتزوج مكتوب عليه ينتظر
مرارة الانفصال؟؟
تساؤلات كثيرة تصب كلها في شئ واحد وهو تأخر سن الزواج حتى الوصول إلى الاعراض
التام عنه.
بالتأكيد أن مسألة الزواج أولا وأخيرا ليس لأحد دخل فيها، وأن الزواج يعامل معاملة
الرزق، وأن طلب زوج يحتاج كطلب الرزق التضرع إلى الله واللجوء له وإصلاح العلاقة
بين العبد وبينه سبحانه، ومع أن بعض النساء تزوجن دون هذه المشقة لكن سبحانه يقسم
أرزاق خلقه كيفما شاء وهو ابتلاء قد يبتلى به انسان ويعفى آخر منه، وإذا تفكرنا في
حكمته فقد نراها كحكمة الابتلاء بمعنى أننا قد نتصور أن الخالق سبحانه يقرب هذه
الفتاه منه فيبتليها في احتياج ملح لها حتى تُجبر على ان تعود لربها من اجل كشف هذا
البلاء، أو قد يكون تطهيرا لها واشعارها بالنعمة التي سيرزقها بها بعدها.
وخلاصة ما اردت قوله أنه في رأيي حل كل هذا في
الزواج المبكر
ولكن هذا الحل مستقبلي للوقاية
وما اراه في علاج لما نحن فيه الآن هو محاولة الجميع المساعدة في التقريب بين من
يعرفونهم من الأصدقاء والمعارف للزواج،
وهناك مواقع بل وشركات لذلك لكني أراها في هذا الزمن حث على الفساد وضررها أضعاف
نفعها، وهي اختلاط فيه ريبة شديدة واحتمالات الكذب والتدليس فيه لا محدودة في
مجتمعات دخلها الفساد بالشكل الذي أصبحنا نراه الآن وآخره شوارع القاهرة.
فمن تأمن لنفسها أن تتحدث مع شخص غريب أصلا دون الحديث عن الزواج فما بال موقع يعرف
كل من فيه أن هذا التواجد للزواج فقط.
