السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
فقهاء: التكفير بسبب فتوى خلافية حرام
القاهرة - صبحي مجاهد **
أطلق داعية غير معروف بالقاهرة فتوى من على المنبر يطالب فيها بإهدار دم الدكتورة
سعاد صالح عميدة كلية الدراسات الإسلامية والعربية بنات لفتواها حول عدم فرضية
النقاب ، الأمر الذي فتح باب النقاش مرة جديدة حول التكفير، ولكن هذه المرة عن
التكفير من أجل فتوى يطلقها عالم فقيه.
الدكتورة سعاد صالح عميدة كلية الدراسات الإسلامية والعربية بنات الأسبق، وصاحبة
قضية إهدار الدم تشير إلى أن الخطر الحقيقي هو ظهور من يعلو المنابر وهم غير
مؤهلين، فيطلقون الفتاوى العشوائية بتكفير العلماء، وهم ليسوا على دراية بالعلم،
وتوضح أنه ليس من حق أحد أن يكفر كل من يقول رأيه الفقهي، حيث إن الفقه مساحة
للاجتهاد لمن امتلك وسائله من أهل التخصص، وليس ساحة لإهدار دم العلماء من قبل أناس
محسوبين على الدعوة الإسلامية.
وترى أن أهم أسباب ظهور عملية التكفير هي عشوائية انتقاء من يعلون منابر المساجد
بلا تدقيق من الجهات المسئولة، محذرة من أن الذي يهدد علماء الشريعة والفقه وأصحاب
الآراء الفقهية ليس فقط مجرد تكفير، وإنما هو إهدار لدم العالم.
أمر خلافي
أما الشيخ محمد الجزار الأمين العام الأسبق للجنة الفتوى بالأزهر الشريف فقد
أكد على أنه لا ينبغي لأي مسلم مهما كانت درجته العلمية أن يكفر مسلما، وبخاصة من
الفقهاء الذين يجتهدون لخير المسلمين، ويوضح أن الفتوى لا يمكن أن تكون بأي حال من
الأحوال بابا لتكفير عالم لكونه أفتى بها ما دامت لا تنكر معلوما من الدين
بالضرورة.
ويضيف أن تكفير الإنسان يكون إما لأنه أشرك بالله وكفر برسوله وملائكته وكتبه، وإما
لأنه أنكر معلوما من الدين بالضرورة، وليس لأنه اجتهد فقال بفتواه في أمر من الأمور
التي لم ينص عليها كتاب أو سنة، مشيرا إلى أن هناك حديثا يفيد أنه من كفر مسلما فهو
رد عليه، كما أن الفتوى لا يمكن أن تكون مبررا لتكفير صاحبها.
ويرى الشيخ الجزار أن ما يحدث الآن للعلماء من ادعاء البعض عليهم بالتكفير لمجرد
فتوى لهم في أمر خلافي قد يرجع إلى كون أن العلماء أصبحوا عرضة للتشهير بسبب ظهورهم
في برامج هزلية على الفضائيات؛ للخلاف الفقهي حول قضايا هامشية، لدرجة أن بعضها
يتضمن ألفاظًا جارحة أمام مرأى ومسمع من العلماء، ولذلك فليس من المستغرب أن يطلق
داعية أو غير داعية فتوى بقتل عالم أو تكفيره، الأمر الذي يتطلب من العلماء في
الوقت نفسه أن يحترموا أنفسهم بألا يظهروا في برامج بها مذيعات غير ملتزمات، أو
لمناقشة قضايا لا يفيد النقاش فيها سوى التقليل من شأن العلم والعلماء.
جهال الدعوة
الدكتور محمد على الزغول -عميد كلية الشريعة والقانون بجامعة مؤتة بالمملكة
الأردنية- يذهب إلى أن مسألة الفتوى بالتكفير للخلاف الفقهي خطأ واضح، ويحذر من
اتساع مسألة التكفير، خاصة أن التكفير لم يعد مجالا ضيقا، حيث بدأ يأخذ أشكالا
كثيرة بدايتها أن العالم يجاري السلطة، أو أنه يوافق جهات خارجية.
وأشار إلى أنه لخطورة هذه القضية تم التفكير في عقد مؤتمر أو ندوة نبحث فيها هذا
الموضوع، وأسبابه، وكيفية مواجهته، بالإضافة إلى توضيح أن الدين الإسلامي يرفض أن
يُكفر إنسان لمجرد الاختلاف في الرأي الفقهي؛ فالمسائل الفقهية فيها ما هو إجماع،
وهناك مسائل مختلف فيها، كما أنه ليس كل مسألة متفق عليها يكفر من أفتى بمخالفة
لها، إلا إذا أنكر قضايا قطعية الثبوت والدلالة.
ويضيف الدكتور الزغول أن "من أهم المسائل التي تحد من فتاوى التكفير هي ألا يتولى
الصعود على المنبر إلا العلماء والمتخصصون وليسوا من ينطلي ظاهرهم على الناس، خاصة
أن هناك من يلبسون لباس العلماء وهيئتهم وينطلي حالهم على العامة، فينجذبون إليه
رغم عدم علمهم.
ويشدد على أن هذا أدى إلى إشكالات كثيرة، خاصة أنه في كثير من الأحيان يتسرب هؤلاء
إلى المساجد بدعوى العمل في بيت الله ثم يتسللون إلى المنابر ويطلقون فتاويهم على
الناس ويجدون من يصغون إليها، وهذا ما يوجب على الوزارات المسئولة عن الخطابة
والوعظ أن تتبَّع هؤلاء، وتمنعهم من الدعوة خاصة أن هناك آلافا من الخريجين من
الكليات الإسلامية وهم أولى بالصعود على المنبر بدلا من الجهال الذين يصعدون عليه.
أمر محرم
الدكتور محمد رأفت عثمان عضو مجمع البحوث الفقهية يرى أن الذين يكفرون الناس
لأدنى خلاف ليسوا مؤهلين علميا لمثل هذه الأحكام التي يبدونها فتكفير الناس ليس
أمرا سهلا، وإنما لا يلجأ إليه إلا إذا كنا على يقين من القول والفعل الذي يؤدي إلى
كفر الإنسان.
ويستطرد: "لهذا نجد علماءنا عندما يتناولون هذه المسألة يقولون إن ما صدر عن
الإنسان من فعل أو قول إذا كان يحتمل الكفر على 99 وجها، ويحتمل الإيمان على وجه
واحد، لا يجوز الإقدام على الكفر إعمالا بحسن الظن بالمسلم، وكما عبر العلماء:
"الكفر غاية في العقوبة، ويحتاج في إثباته إلى غاية التثبت"، وكون أحد الذين يدعون
الناس على المنبر ويسارع برمي أحد من العلماء بالكفر لإبداء رأي فقهي هو أمر يؤسف
له ويدل على ضحالة علمه".
ويضيف الدكتور عثمان: "أنه لعل من الأسباب التي أدت إلى كثرة ما نسمعه من تكفير
البعض، أو الإعلان عن آراء غريبة من بعض المحسوبين على الدعوة هو أن كثيرًا منهم
ليسوا مؤهلين علميا للإفتاء، ولا لفهم كلام القدامى من العلماء، فمعرفتهم قليلة
يحاولون نشرها بما هُيِّئ لهم من منابر يعتلونها في المساجد.
ويختتم الدكتور عثمان كلامه قائلا: "التكفير لا يمكن أن يكون إلا بأمر يقيني بأنه
تم إنكار معلوم من الدين بالضرورة، أو سب الله عز وجل، أو سب الرسول صلى الله عليه
وسلم، أو إنكار دين الإسلام.
