الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات
كيف نحقق التقارب بين المذاهب

 
د. عبد الحميد الأنصاري *
يمر المسلمون بظروف بالغة الحرج، وبخاصة بعد حوادث سبتمبر، وقد رأت وزارة الشؤون الإسلامية في مملكة البحرين، أن الأمر يستدعي عقد مؤتمر للتقريب بين المذاهب الإسلامية في الفترة 20 ـ 22/9/2003، حضره جمع من علماء المذاهب الإسلامية المختلفة، وتوصل المؤتمرون إلى أهمية التعايش والتقارب بينهم، وإلى ضرورة نبذ أسباب الفرقة والتعصب بما يجمع بينهم، ويوحد كلمتهم، ليكونوا اقدر على مواجهة التحديات المختلفة، وبعد ان اختتم المؤتمر أعماله، فمن المناسب أن أطرح تصوري في هذا الموضوع، فالمؤتمرات وحدها لا تحقق الهدف المنشود رغم أهميتها وضرورتها. إن قيم التقارب والحوار والتسامح والقبول بالآخر المختلف مذهباً أو طائفة أو ديناً، هي في النهاية محصلة ونتيجة، محصلة تركيبة مجتمعية متسامحة، ونتيجة مجتمع يحصل أفراده على حقوقهم المشروعة، وفُرصهم العادلة، وهي من ناحية أخرى ليست كلمات تقال، لكنها قيم تغرس في التربة المجتمعية بما يصاحبها من احترام للتعددية، وتأكيد لحق الآخر في الاختلاف من غير تفسيق، أو تضليل، أو تكفير، وتربية ينشأ عليها الناشئة في البيت والمدرسة والتنظيمات المجتمعية المتعددة، كما ان شجرة التقريب غرس يزدهر بممارسة الحوار الحر بين أبناء المجتمع الواحد أولا، بالتربية المنفتحة على الآخر وبالتعليم العقلاني والتثقيف الذي يحترم ويقدر التنوع وبالنظام السياسي الذي يكفل عدالة الفرص للأطياف الدينية والمذهبية والطائفية، حتى تصبح الممارسة قناعة راسخة وسلوكاً مجتمعياً، ولعل أول شروط ازدهار شجرة التقارب إشاعة قيم التسامح لا بالخطب الرنانة، ولا المواعظ الحماسية، ولا الشعارات البراقة، لكن باحترام حقوق الأفراد على حد سواء، فلا يجدي التقارب إذا كانت التركيبة المجتمعية غير متسامحة، يسودها التعصب والانغلاق، وترضى بموقف المتفرع لقطاعات مجتمعية، تعاني هضماً في حقوقها، وممارسات تمييزية ظالمة في معيشتها.

إذا أردنا التقارب حقاً، وتخفيف حدة الصراع المذهبي فلنعالج المسألة من الناحية النفسية أولا، فالصراع المذهبي غطاء لصراع أنفس افتقدت العدالة والفرص المتكافئة في مجتمعها، ومن هنا فالتقارب النفسي شرط أساسي للتقارب المذهبي، ولن تصفى النفوس إلا بعلاجات على عدة مستويات، منها السياسي، ومنها القانوني، ومنها أن تعامل الأديان والمذاهب كافة معاملة عادلة في الإعلام ومناهج التعليم، ويصاحب كل ذلك مراجعة واعية لمضامين الخطاب الديني في مناهج التعليم لإزالة بذور التعصب والكراهية، وإلغاء كل ما فيه مساس بعقائد الآخرين ومذاهبهم بادعاء أننا الفرقة الصحيحة الناجية، وأن الآخرين ضالة مبتدعون، ولا بد من تطوير الخطاب الديني والمنهج الديني وتخصيصه بأفكار المجددين.

لقد عاش العلماء أياماً مفعمة بالمشاعر العميقة، وتبادلوا التحايا والابتسامات، وتعارفوا، لكن الخشية حاصلة بعد أن يعود الشيخ إلى مرابعه ويتسنم المنبر والفضائية أن تأخذه حماسة أنصاره ومريديه بنوازعهم التعصبية فيملأ جماجمهم ونفوسهم بمفاهيم لا تقبل التعايش مع الآخر، فالجمهور قد أصبح له رهبة على الشيخ والخطيب والمفتي، بل حتى المثقف والمفكر وبدل أن يقود كل هؤلاء الجماهير، تقودهم، ومن هنا كان على السلطات التدخل لمنع بث ثقافة الكراهية ومحاسبة المحرض.

* عميد كلية الشريعة والقانون والدراسات الإسلامية في قطر

الشرق الأوسط