الصفحة الرئيسية خلاف الإختلاف
تفكر في آليات التشدد

 

بقلم داليا رشوان

مقدمة هامة

هذا الموضوع ليس اتهاما أو عدوانا على أحد بل تذكرة لنا جميعا وإن كنت تحدثت عن التشدد في الدين فالكلام يسري على المتشددين لرايهم في جميع نواحي الحياة الأخرى

الموضوع

عند البعض يكون معنى التشدد هو قمة الالتزام

ولكن هل هذا المفهوم صحيح؟؟

وإن كان صحيحا فهل يمكننا أن نصف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمتشدد

اعتقد أن المعنى وصل

لنبدأ بمفهوم المتشدد عند العامة

هل التشدد هو الغلو في أي شئ؟؟؟

لا أعتقد ذلك ..

لأن المغالي في اي شئ لو قَبِلَ غيره بترحاب وخلق رفيعة وقبله على اختلافه معه ما وُصف بالتشدد ..

ولكن التشدد هو عدم قبول الآخر على أي شئ كان سواء كان في الفرق الرياضية أو المذاهب الدينية أو المذاهب الفكرية أو حتى اختيارات الحياة اليومية

وكل ما يفعله المتشدد أنه ينفر الناس من الفكر الذي يعتنقه ويتشدد فيه لسوء سلوكه وسوء معاملته لمن حوله، مما يدفعهم بحسب الطبيعة الانسانية لأن يكرهونه ويكرهون ما هو عليه ولا يترك لهم مجال للتفكر في ما أتى به من فكر أو رأي أو ما إلى ذلك ولو كان على حق.

 

وسأتكلم عن الدين لأن التشدد فيه هو ما تدور حوله بعض المشكلات التي تدمر المجتمعات الاسلامية حاليا ..

وتساءلت كثيرا ما الذي يدعو أحد أن يتشبث بالتشدد في مظاهر دين الله، لماذا يكثر المتشددون بل ويبرزون عن غيرهم؟

وقلت هنا التشدد في المظاهر لأن من يعرف جوهر الدين يعرف كيف يخفف به عن الناس وكيف يحبهم ويحترمهم وبذلك يخرج من نطاق حوارنا

وكانت من نتائج هذه التساؤلات التي للأسف وجدتها حولي ظاهرة جليّة كالتالي:

1-  أن البعض أراد أن يستقي احساسه بذاته وبأهميته من خلل اذلال الآخرين واخضاعهم لقوانينه وقواعده

2-  والبعض الآخر لم يجد لنفسه طريقا للتميز ووجد أن التزامه بمظاهر معينة في الدين تمنح له ما لم يمنحه له ذكاءه الاجتماعي المحدود وفشل في جذب انتباه الآخرين بشكل طبيعي وطول سنوات الدراسة والعلم ومجرد التزامه ببعض الشكليات يجعل منه عالم في الدين وسماعه لبعض الدروس وترديدها على مسامع زملائه يجعل منه داعية ويعطيه سلطة يستطيع بها أن يتكبر على الناس من باب معاصيهم ونقدها والسخرية منها، هي سلطة سهلة أعطيت له دون عمل وعلم أما الخلق والمعاملات فهي آخر ما يذكره لسببين أولهما أنه استغرق في الشكل وأفرغ كل طاقته فيه فشعر بارتياح واطمئنان يجعله لا يشعر بالتقصير أو بأي تأنيب للضمير وليس لديه الحماس للاجتهاد فيما يحتاج إلى الجهد والتعب والحرمان أحيانا والمعاناة أحيان أخرى لأنه ببساطة ينظر في المرآة فيجد نفسه متشبه بالملتزمين وثانيهما هو صعوبة تغيير الأخلاق والمعاملات، صعوبة كظم الغيظ، صعوبة قبول المخالف في الرأي، صعوبة الابتسام في وجه أحد الاقارب من الذين لا يحبهم استجابة لصلة الرحم التي أمر بها الله عز وجل، صعوبة التنازل عن المكانة الاجتماعية التي يمنحها له الطريق الذي اتخذه فهو يرضي اطراف تجعل منه بطلا لما يفعله بالناس، هؤلاء الناس الذين يرى نفسه أعلى منزلة منهم، يفرق ولا يجمع حتى يضع نفسه في الفِرقة التي يراها أعلى من مستوى عامة البشر.

3- وقد يكون المتشدد تحت تأثير أحد الحيل الدفاعية التي وضعناها في هذا الرابط والتي تجعل منه شخصا عدوانيا ليس تجاه موضوع الخلاف ولكن لسبب آخر في نفسه مغاير تماما عن ما اختلف مع الآخرين فيه.

www.alameron.com/527.html

4- هناك آخرون بدا اتجاه التشدد (في الدين أو في غيره) مناسب لهم لأنه يتوافق مع اضطراب ما في شخصيتهم وهنا أدعوكم لملخص سريع عن اضطرابات الشخصية في هذا الرابط:

www.alameron.com/528.html

 هناك ملحوظة شعرت بها في هذا الصراع التشددي وهو أن كل هذه  الضجة أصبحت دفاعا عن الفِرقة لشيوع هذه الفِرقة على الأخريات أو لانتصارها عليهم، تماما مثل الأهلي والزمالك،  لم يعد الصراع على دين الله بل صراع على دنيا لأن دين الله ليس فيه صراع ليس فيه كراهية ليس فيه كبر وسخرية ليس فيه بذاءة ولا تشدد لا ظلم ولا فرض لرأي بالقوة.

 

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تحاسدوا ، ولا تناجشوا ، ولا تباغضوا ، ولا تدابروا ، ولا يبع بعضكم على بيع بعض ، وكونوا عباد الله إخوانا ، المسلم أخو المسلم ، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره ، التقوى هاهنا – ويشير إلى صدره ثلاث مرات – بحسب امريء من الشر أن يحقر أخاه المسلم ، كل المسلم على المسلم حرام : دمه وماله وعرضه ) رواه مسلم .

هذا الحديث لم يقال للأصدقاء المتحابين المتفاهمين لأنهم لا يحتاجون ذلك ولكن قيل للمسلم الذي في قلبه شئ ضد أخوه المسلم ويريد ان يحسده وأن يبغضه وأن يحقره .... وهكذا فجاء النهي، لذ لا يمكن أن نقول أن هذا الحديث جاء لمن على مثل رأينا ومن لا نختلف معه بل جاء للمختلفين بل للمتباغضين، تماما مثل ما قاله رسول الله (ص) عن صلة الرحم وأن صلة الرحم التي يريدها الله ليست لمن يصلني بل لمن يقطعني فأبادر وأصله.

 

واريد أن أعلق تعليقا آخر وهو أني أرى الجدل على أشده في المسائل الخلافية وهناك من يحب أن يثيرها ويضع أدلته وكأنه يريد ان يجبر الناس على اتباعه في هذا الرأي، وهنا أقول أن المسائل الخلافية إنما سميت بخلافية لاختلاف كبار العلماء عليها ولوجود أدلة قوية في الرأيين من الثقات، فتأتي أنت وتريد حسم المسألة لأحد العلماء دون الآخر، لا أحد ينكر عليك رأيك ولكن ما نقوله هو عدم فرض هذا الرأي على الآخرين واتهامهم بالضلال لاتباع م يخالفه. هناك مسائل تركها الله لنا غير محسومة وهو أعلم أنها سيكون فيها اختلاف ولكن اجتمع لعلماء على أن الغرض من ذلك هو التيسير على الأمة وحتى يجد كل ذي حاجة حاجته، والله أعلم ان ظروفنا ستختلف من بلد لآخر ومن فئة لأخرى ومن زمن لآخر، ولقد احترمت د. سلمان العودة حين رأيته في أحد البرامج وهو يتحدث عن المسائل الخلافية فقال أنها شئ متعارف عليه ومقبول وقد كان ذلك في زمن السلف وسيظل إلى يوم القيامة على هذا الشكل وقال على سبيل المثال أن المغرب العربي يتبع المذهب المالكي وأن مصر تتبع المذهب الشافعي وأن تركيا تتبع المذهب الحنفي والسعودية الحنبلي وهذا أمر طبيعي جدا بل وصحي  أيضا، وحين سأله المذيع عن مسألة النقاب والحجاب قال أنا أتبع مذهب بلدي السعودية في وجوب تغطية الوجه وقد اجتهد علماء كثيرون وأتوا بأدلتهم على ذلك لكني لا أنكر أن علماء أكثر منهم لديهم أدلة على جواز كشف الوجه وأنا لا يمكنني حسم هذه القضية وليس من المطلوب حسمها ولكن على كل شخص أن يختار ما يقنعه وليس عليه حرج أو وزر في ذلك.

            

نصائح للتغلب على نزعة التشدد

- أن تضع نفسك مكان الآخر وتقدر دوافعه

- أن لا تسخر من مفاهيم أي شخص ولو كانت تدعو الى السخرية فالسخرية من الآخرين ليست من خلق المسلم، واعلم أن طاعتك أمانة ائتمنك الله عليها فإن لم تعطي حقها بالتواضع بها لخلقه ونفعهم بها فيأخذها منك في لحظة، كما أن سخريتك تظهر أن الغرض من الموضوع ليس الدعوة إلى الله بل التعالي بظن العلم وتحقيق مصلحة شخصية أو مكسب شخصي.

- الالتزام بالموضوع أصل الخلاف وعدم الانسياق وراء الأساليب الغير مشروعة في كسب النقاش مثل التطرق إلى سب شخص المتكلم ووصفه بكلمات بذيئة أو حتى مجرد التحدث عن شخصه بشكل غير لائق.

- التسليم بأن الحق قد لا يكون مع أحدكم فقط ولكن قد تكونا مكملين لبعضكما البعض، أو أن يكون الحق مع كلاكما كلٌ بحسب الظروف المحيطة به.

- التدرب على كظم الغيظ فالغضب يؤدي إلى حوار بعيد عن العقل وعندها تكون عملية العناد سواء كان هذا العناد على حق أو باطل.

- فهم الهدف الأساسي من الحوار وفهم تعاليم الاسلام في أدب الحوار وحسن ادارته وذلك لتحديد الوقت المناسب لانهاءه أو للانسحاب منه أو تغيير وجهته قبل الدخول به في ما يغضب الله.