الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات
الغلو في الاسلام

 
من إسلام أونلاين
الغلو في الإسلام .. أزمة الفهم والتعامل
العنوان

ما هو رأيكم في التعامل مع أصحاب الغلو في فهم وتطبيق الإسلام من المصلين، هل الأفضل مناقشتهم بالحجة أم الرد عليهم فقط حين بروز حدث ما؟.

خاصة أن لهم قناعاتهم، وإذا راجعناهم لا يناقشون من أجل الاستفادة، إنما لاستظهار ما حفظوا، حتى أننا أحيانا نقدم لهم الدليل، فيؤولون النصوص إلى غير ما أُثر من أقوال علمائنا فيها، ونخشى أن يكونوا مشكلة تنفجر فتضر بالمسجد وسمعته، كما نخشى أن يتعصبوا أكثر إذا ناقشناهم فيظنوا أنهم على حق وأن الجميع يخالفهم لأنهم على حق.

أجيبونا بارك الله فيكم.
السؤال
الدعوة العامة
الموضوع
المستشار
 
الحل
 
 

يقول الشيخ منير الركراكي:

أخي الكريم، إن ما سألت عنه من الأهمية والعمق بمكان، ذلك أن ديننا ليس دين علم فقط، بل ديننا مع العلم هو إمام العمل، ونيتنا يوجهها خلق وحكمة، وما لم تراعَ هذه العناصر في التعامل مع الآخرين والتواصل معهم أصاب سلوكنا النقص والاضطراب والتناقض، وربما الانحراف في بعض الأحيان؛ مما يؤدي إلى نتائج سلبية، وربما عكسية.

والغلو في الدين هو تجاوز الحد والقصور عن القصد، وهما سيئتان تتوسطهما حكمة التسديد والتقريب، "سددوا وقاربوا" رواه البخاري، كما قال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، وكما قال الأستاذ عبد السلام ياسين في بعض حكمه ودرره: "ليست الحكمة أن تقول الحق ضربة لازب، ولا أن تؤاكل وتشارب، بل تسدد وتقارب، تحافظ بها على المكاسب، وتصانع ظرفك بما يناسب".

قال الله تعالى: (ومَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً)، (كَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً).

إذن ما نطلبه هو هذه الشهادة، التي هي الوسطية والاعتدال والخيرية على كل حال، وهي لا تعدو ثلاثا:
- الشهادة لـ.
- الشهادة على.
- الشهادة بـ.

فالشهادة للناس تمييزا وتفضيلا، أو نصرة لهم ودفاعا عنهم وتثمينا لخير فعلوه.

والشهادة على الناس وعلى النفس بالأساس "إياكِ أعني واسمعي يا جارة"، نصحا واستدراكا ونقدا وتجريما -إذا دعت الضرورة إلى التجريم لا إلى أن تعتبر غيرك مجرما، ولكن أن تعتبر ما فعله جرما، وتنقضه من نفسه الأمارة بالسوء والفاعلة للشر-.

والشهادة بالقسط والحق في الناس، وقد أمرنا أن نكون شاهدين بالقسط قائمين لله بالحق.

يا أخي، إن من لا موجِّه له ولا مرشد، ولا واعظ له من ذاته، يعظه ويحبسه عن الظلم، أنى له أن يشهد؟؟ فهو يعتمد على رأيه فيزل، أو يعتمد على عقله فيضل، أو يعتمد على آراء شاذة وعقول غير رشيدة، علمها بالدين قليل، أو فهمها للدين عليل، ومع ذلك يعتلون المنابر، ويحولونها منصة قضاء، ويحكمون على الناس بالجاهز المسبق.

هذا إن كانوا من أهل المنابر، أما إذا كانوا من عامة المصلين ورواد المساجد
، فهم أصحاب صوت مرفوع وتلك بدعة، أو تعصب للرأي إن كان لهم رأي، وإلا فالغالب على مثل هؤلاء - غفر الله لنا ولهم - أنهم ضحايا أراء الآخرين أو تحزُّبٍ بمذاهبهم بتأويل معتسف، أو لعلم جاف، أو قاصر، يفتقر إلى الحكمة والرحمة، أو لفهم لمَّا يستكمل أدوات الاستنباط وشروط الاجتهاد والإفتاء، مما يوقعهم في العلم المنشئ للجدل، لا المحفز للعمل، ولإصدار الأحكام على الآخرين، لا لتعلم وتعليم أحكام الدين وحدوده وآدابه.

والمشكلة ليست في وجود هؤلاء، فهم موجودون شئنا أم أبينا، وفي كل مرحلة من مراحل التاريخ لا نعدم وجود أشباه وأمثال.

أخي الكريم، إن من أخطر التحديات التي تواجه الدعوة ورجالاتها هو التعامل الكثير من أفرادها بشكل غير صحيح مع النصوص القرآنية والنبوية العامة والخاصة، وذلك بوضعها في غير موضعها والاستشهاد بها في غير محلها، وبدون تحقيق المناطات العامة والخاصة، والتي لابد من وجودها للربط ربطا صحيحا بين دلالات النصوص والواقع.

وسوء الفهم عن الله ورسوله أصل كل بدعة وضلالة نشأت في الإسلام قديما وحديثا، بل هو أصل كل الأخطاء في الأصول والفروع؛ ولذا يقول ابن القيم رحمة الله: "وهل أوقع القدرية والمرجئة والخوارج والمعتزلة والجهمية والرواسب، وسائر طوائف أهل البدع فيما وقعوا فيه إلا سوء الفهم عن الله ورسوله؟"، ومن ثم ظهر الإمام البخاري رحمه الله يبوب في كتاب العلم بابا بعنوان "باب الفهم في العلم"، ويروي فيه حديث معاوية رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين"، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "أي يفهِّمه"، ثم قال: "ومفهوم الحديث أن من لم يتفقه في الدين، أي يتعلم قواعد الإسلام وما يتصل بها من الفروع، فقد حُرم من الخير كله".

وإليك الدواء من عند من فقه داء أمته وكان طبيبها، قال صلى الله عليه وسلم: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الجاهلين، وانتحال المبطلين، وتأويل الغالين" رواه أحمد بسند صحيح، لكن روي موصولا من طريق جماعة من الصحابة، وصحح بعض طرقه الحافظ العلائي، إذن ليست المشكلة في وجود هؤلاء، ولكن المشكلة تكمن في الحكمة في التعامل معهم والتواصل معهم، خاصة في ديار الغربة حيث لا مُذكِّر ولا معين ولا وازع ولا رادع، وخاصة في المسجد حيث ينبغي الذكر والسكينة والأدب والرفق، وخاصة في وقت كثرت فيه وسائل التلقين وقنواته من مُستَأمَنٍ وغير مُستأمَن، ومؤهَّلٍ وغير مؤهَّل؛ مما يزيد الطين بلة، والحشف سوء كيل، فإذا بالاختلاف المحمود الذي هو رحمة وتكامل وتشاور وتواصل يصبح خلافا قَتَّالا والعياذ بالله.

هنا تكمن رسالة الدعاة من أجل العلم والتربية والمسجد، فهي "رسالةٌ" من "مرسِلٍ" إلى "مرسَلٍ إليه" لها "ظرفٌ" و"خطٌ" و"مضمونٌ" و"طابعٌ" و"صندوق بريد":

- الرسالة: هي الدعوة إلى الله (ومَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إلَى اللَّهِ).

- والظرف: هو ما تحدثنا عنه وينبغي مراعاته واقتحام عقباته ومواجهة تحدياته دون ارتجال أو استعجال، أي بعلم وتؤدة وقصد ومسئولية ووضوح وتدرج وإحسان.

- والخط: ينبغي أن يكون واضحا لا غموض فيه ولا التواء، على البيضاء كتابا وسنة، شرعة ومنهاجا، وحقا وصوابا، لا نفاق ولا رياء، ولا انحراف عن الجادة، ولا انجراف مع الآراء الشاذة.

- والمضمون: ينبغي أن يكون رحمة (ومَا أَرْسَلْنَاكَ إلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)، (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ولَوْ كُنتَ فَظاً غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ)، ينفضون وفي قلوبهم شيء، ينفضون لكي يروجوا عنك قول السوء، ينفضون لكي يثيروا الفتنة.. فكيف تستوعبهم؟ كيف تهدئ من غلوهم وغليانهم؟ كيف تحتضنهم وتحصنهم من أنفسهم ومن الشيطان حليف الأنفس؟ كيف تكون لهم طبيبا تدلهم على الداء بحكمة وتعطيهم وصفة الدواء؟ -لأن وصف الداء دون وصفة الدواء يزيد الداء استفحالا واستفحاشا-: تعفو عنهم، وتستغفر لهم، وتشاورهم في الأمر، (ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ والْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ).

- أما الطابع البريدي الذي ينبغي أن يتصدر رسالتنا: فهو الطابع الذي يعكس وجه الملك، والملك هو الله سبحانه تعالى، وإنما نحن في معرض التقريب لا التشبيه والتمثيل والتجسيم، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

بمعنى علينا أن نخلص في دعوتنا ونريد الخير للمدعو، ونحرص الحرص كله على أن نرده إلى الرشد من الغي، وأن نقنعه ونشبعه حتى لا يبقى في قلبه تردد وإثم محيك.

- وصندوق بريدنا الذي نستهدفه بالرسائل: هو القلب، متى كان هذا الصندوق مفتوحا سليما غير ضيق ولا خرب.

- والمرسِل: هو أنت أيها الداعي الحبيب اللبيب.

- والمرسَل إليه: هو المستهدف برسالتك، ولذا وجب التعامل معه بالحكمة، والحكمة وضع الشيء موضعه، فلا نعطيها - أي الحكمة - غير أهلها فنظلمها، ولا نمنعها أهلها فنظلمهم، (ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً).

والحكمة في هذا المجال باختزال شديد أن نميز بين المصلين من الطراز الذي ذكرت، وهذا النوع كله مما لا ينبغي وجوده بين المصلين، ولا نتحدث هنا عن النماذج الطيبة، ولكن نتحدث عن النماذج التي لها في أصل جبلة تكوينها وتعاملها مع الناس خلل، علمت أم لم تعلم، عن وعي وإصرار أم عن غفلة وسهو عن المقصود.

قلتَ إن هؤلاء في المسجد أصناف لا صنف واحد، فمنهم:

- الصنف الأول هو السائل الجاهل الذي يريد أن يعلم، وحظه من الفهم قليل، وهذا ينبغي أن تصبّر نفسك معه وأن تمهله لا أن تهمله، وأن تنوع له من الأمثلة والأدلة، بل بعد أن تستنطقه وتقف على مستواه وحقيقة مراده ومرماه، وأن تعامله بحسب ما بدا لك منه ومن أدبه وطبعه وعلمه.

وهنا ينبغي للمعلم الرحيم الرفيق أن يكون لديه فراسة ونور يكشف بها عن المستور، فإن وجدت منه تقبلا فزده، وراقب وُسعه؛ وإن وجدت تمنعا فتوقف، أو أحله إلى مرجعٍ مفيدٍ من كل متاحٍ وممكنٍ قريب المأخذ داني القطف؛ لأن الجدال مع هؤلاء عقيم، والموعظة أقرب إلى نفوسهم إن وجدت لها منفذا إلى قلوبهم، وإلا تكفي الإحالة عن المحاولة.

- صنف ثانٍ، هو صنف
المجادل المتعالي الذي لا يسأل ليستفيد، بل يسأل ليفيد بجاهزٍ من محفوظه أو معلومه أو مفهومه، وهذا من الحكمة الإنصات إليه وعدم مجادلته إلا بالحسنى، والحسنى في هذا المقام أن تقبل منه الحق الذي صدر على لسانه، وما كان مختلفا فيه يمكنك أن تبين له وجه الاختلاف بعلمٍ مؤصّلٍ، وسَعَةٍ تستوعب نظرته الأحادية، وتحيله على متعدد يستكمل نقصه، ويوفي بالقصد من خلال جوانب وطرق مختلفة، وإن وجدت منه إصرارا على رأيه وتعصبا لمذهبه ومشربه، فيمكنك أن توافقه على الحق الذي رآه وتعظه بما ورد في الدعاء المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - الذي لحكمته الجليلة - جعله الحبيب المصطفى مما يتصدر قيام العبد ووقوفه بين يدي مولاه في حلك الظلام: "اللهم رب جبريل وإسرافيل وميكائيل، فاطر السموات والأرض، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم" رواه مسلم.

إذا استنطقنا مفردات ومعاني هذا الحديث سنجد جوابا شافيا كافيا لنا وللآخر إن كان له حويصلة تستوعب ما يقال، ويوحي هذا الحديث - كذلك - أن العباد يختلفون، وقد يختلفون في الحق والهداية من الله، وبإذنه له الحكم وله الأمر، يهدي من يشاء إلى الصراط المستقيم، والمهديون إلى الصراط المستقيم هم المنعَم عليهم، كما ورد في الفاتحة، وهم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون وحسن أولئك رفيقا في الدنيا والآخرة.

والذي لم يجد هذا المنعَم عليه ولم يرافقه في دنياه، فأنى له أن يهتدي إلى الحكمة، وأن يشهد للناس بالحق، ويكون صالحا مصلحا؟ فأحرى أن يكون صديقا يتحرى الصدق، ويصدق في قوله، ويصدِّق بالصدق الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم.

- وأما الصنف الثالث، فهم
المجادلون القضاة الذين لا همَّ لهم إلا الحكم على الناس، وتصنيفهم تصنيفا جائرا لا يستند إلا إلى نظرة متعالية وأنانية مستعلية، وشهوة ظاهرة وخفية، شهوة في الرئاسة والأستاذية؛ فهم الفرقة الناجية وغيرهم ضال مضل، مبتعد مبتدع.

فهؤلاء حكمة التعامل معهم تقتضي عدم الجدال مطلقا، وقد يقتضي عدم الجدال الإعراض عنهم (وأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ) - إن كانوا من الجاهلين - (وإذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً)، لأن الجدال هنا قد يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه.

أو تقتضي الحكمة أن نقول لهم في أنفسهم قولا بليغا إن كانوا من الصنف الذي ينزجر، ويرتدع بهذا الأسلوب القوي، وإلا فالحكمة تقتضي منا مصانعة ومداراة بعضهم ممن لا يرجى خيره ولا يؤمن شره، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري عن عروة بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها أخبرته أنه استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم رجل، فقال: "ائذنوا له، فبئس ابن العشيرة أو بئس أخو العشيرة، فلما دخل ألان له الكلام"، فقلت له: يا رسول الله: قلت ما قلت، ثم ألنت له في القول؟! فقال: "أي عائشة، إن شر الناس منزلة عند الله من تركه - أو وَدَعَه - الناس اتقاء فحشه".

إذن، فالحكمة تقتضي المصانعة والمدراة والملاينة؛ وكما يقولون: "دارِهم ما دمت في دارهم، وأرضهم ما دمت في أرضهم"، لا أقصد أن نرضيهم ونغضب الله، ولكن نحاول أن نستل سخيمة قلوبهم، وأن نكف عن الناس شرهم، هذا ممن لا يرجى خيره ولا يؤمن شره، أولئك الذين يبغوننا الفتنة وفينا سماعون لهم، خاصة في بيوت الله، حيث يكون المنكر كل المنكر أن ترفع الأصوات، وأن تثار الاختلافات، ويظهر المسلمون - وقد أُمروا ألا يختلفوا في صف الصلاة، والله لا ينظر إلى الصف الأعوج - بمظهر المختلف المتحارب.

وحميدٌ ما فعله حسن البنا رحمه الله في مرةٍ من المرات حين رأى الاختلاف وارتفاع الأصوات في المسجد بسبب الأذان، فأقام الصلاة بلا أذان حسما للخلاف؛ لأن تلافي الخلاف فرض، والأذان سنة.

نسأل الله تعالى أن يلهمنا الحكمة وفصل الخطاب، وأن يجعلنا ممن يعاملون الناس كل صنف بما يستحقه، وبما يرده إلى الصواب، أو بما يدفع عن الناس خطأه وضلاله وعنفه وشره، ونسأل الله تعالى أن يجزيك خيرا ويوفقك لكل خير.

والحمد لله رب العالمين.

 

ياسر بدر