الصفحة الرئيسية كتاب وأقلام
الخارطة القرآنية .. للشيطان

 

بقـلم خليـل حلاوجـي

رئيس منتدى الفكر في رابطة الواحة الثقافية
 

ما أشد إحراج المسلم المؤمن بالمثل القائل ( خذ الحكمة من أفواه المجانين ) وهو يقرأ سيرة العباقرة وستزداد حيرته وهو اليوم يشاهد الفيزيائي البريطاني ( ستيفن هوكنج) صاحب كتاب ( قصة قصيرة للزمن ) وهذا العالم يعاني من مرض عضال أدى إلى شلل رباعي عنده بالإضافة إلى عضلات الرقبة والحبال الصوتية ولا يحرك سوى أصبعين من يده اليسرى ويتكلم بكمبيوتر مربوط إلى حلقه مثل الروبوت وهذا  القعيد فوق كرسيه لا يقدر على الحراك هو من يقدم اليوم إجابات تهذب نظرية النسبية لانشتين مزيلا ً حيرتنا في فهم الكون وغيره من جهابذة العلوم  ، فكيف للحكمة أن ينطقها مجنون فيصدقها العاقل وهل سيستطيع هذا العاقل تمييز الدجاجلة عن أصحاب الرسالات السماوية .
حينما يخبرنا الإسلام أن ثمة رجلا ً سيأتي مقنعا ً الناس بصدق دعواه وهو يقلب لهم محاور اليقين فيجعل جهنم لهم جنة في الأرض ويمشي على الماء ويحيي الموتى هو المسيح الدجال ولولا أن رسولنا الرحيم محمد عليه الصلاة والسلام علمنا كيف نفطن إلى طريقة منهجية  في كشف أباطيل هذا الأعور الدجال لضل الكثير منا إذن .
ومن قبل اخبرنا عيسى عليه السلام  كيفية التفريق بين الأبالسة حين يرتدون زي المتدين فقال عنهم ونحن نفرق بين الإنسان الضار والنافع  (من ثمارهم تعرفونهم ... ) . بل إن القرآن ذهب إلى أبعد من هذا فنبهنا إلى شياطين يزيفون بخبث مشكلات واقعنا من جهة وعلاقتنا بمنهج كتاب الله المهيمن من جهة ثانية قال تعالى ( وما أرسلنا من نبي إلا إذا ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم ) سورة الحج الآية 52.
أما من جاءنا يقول عن الأديان أنها تبرر فعل الشر لان هذه الأديان تقيد حرية الفرد فينتج الخوف (من عقاب القتل ) فيقل الإبداع فانه قد وقع في تلبيس إبليس ( انظر مقالة د. وفاء سلطان : هل يصلح الدهر ما أفسده الإسلام )
وهنا أقول يجب الفصل بين مصطلحي الأديان وبين الإسلام لأن الإسلام هو الدين الوحيد الذي عالج وفق منهاجه المهيمن فكرة الجمع بين النقيضين وعلى مستويين البشري و الإلهي ، عالجها حينما أقر للإنسان حريته الفردية من ناحية وألزمه بمنهاج عمل متكامل ( افعل ولا تفعل) من ناحية ثانية ، ربما لن يفهم ما أقول من يمتلك عقلية غربية تقر بأحادية النظرة وماديتها كون المسيحية الغربية لا تقر أنها حركة اجتماعية وسياسية كما هو الإسلام ( فلا رهبانية ولا كهنوتية في الإسلام ) .
وقد يقول قائل أن الحرية الفردية لا تتناسب مع الإلزام ، فأقول .. كلامه صحيح حين يتجاهل أن الفرد هو جسد وروح وان من يعيش بجسده فقط لا يعرف معنى للحرية سوى التحرر من الالتزام .
في الإسلام تصبح الإنسانية محكومة لعاملي الكمال الأخلاقي والرغبة وهي تسعى إلى السعادة عن طريق مقاومة الشر القابع في هذه النفس البشرية والإسلام حدثنا عن الغرائز التي قد تحكم الإنسان أو يحكمها هو.
وقال أن التفكر والتدبر هي وظيفة المسلم وهما سلاحه في مواجهة شرور نفسه ليؤكد لنفسه أن مقاليد أمره بيده هو وإلا فالشيطان مستعد لاستغلال جهل الإنسان حتى ليجري آنئذ من بن آدم مجرى الدم (كما في الحديث الصحيح)وتتوارد إلينا كل يوم قصص الإجرام والشر والقتل فلا نتجرأ  لنوجه السؤال عن الفاعل وهل يفعل الإنسان الشر بلحظة جنون أم انه يفقد السيطرة على نفسه وهل أن الشيطان هو الفاعل أم الإنسان نفسه ؟؟
فيأتي كلام رسول الرحمة والهداية بقوله عليه الصلاة والسلام ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ..) وكذا القاتل والكاذب وسواهما وهذا يعيدنا إلى إعادة صياغة مفهومنا للإيمان الذي يجعلنا لا نقترب من الزنى والقتل البتة
لكننا لا نتنبه الى كشف دوافع الخلل حين يصدر عنا ولا نراجع أنفسنا لحظة واحدة، وشياطين الإنس أخطر بكثير من شياطين الجن والإسلام كما هو معلوم الدين المجتمعي لا دين عزلة الفرد عن المجتمع .
وفي القرآن يأتي الشيطان يوم القيامة ويقول للناس فلا تلوموني ولوموا أنفسكم .. ونحن اليوم عندنا القدرة أن نلوم كل أحد والشيطان ولم نعد نملك القدرة على مراجعة مسلماتنا الفكرية وعاداتنا وأعرافنا وتقاليدنا ، ولان القرآن يقرن المسئولية يوم القيامة بالفرد قال تعالى ( فلا تزر وازرة  وزر أخرى) الآية من سورة ، فلا ينفع المرء أقرب الناس إليه ولو كان أمه وأبيه وصاحبته وبنيه.
وكأنه يلفت انتباهنا إلى لحظة وقوع الشر بأيدينا إن ثمة خلل مرتبط بفهمنا لدور السلم وغائية حياته فوق الأرض ، علينا تبيان ثمار الإيمان للناس وكيف أن الإيمان وحده هو من يعصم الإنسان من الغفلة والوقوع تحت مطرقة النفس الأمارة بالسوء وسندان الشيطان .
ومعلوم أن الإيمان عند المسلم لابد أن يشمل إيمانه بالملائكة بحسب الحديث المشهور والرسول يعلمنا مضمون الإيمان فقال عليه الصلاة والسلام ( أن تؤمن بالله وبملائكته ورسله وكتبه ... الخ ) ،  وواقع الحال يقول أن المسلمين باتوا يتحسسون بتأثير الجان والشيطان أكثر من شعورهم بملائكة الله تعالى وعندك خبر المشايخ الذين يقدمون للناس خدماتهم لاستخراج الجان من أبدانهم .
والقرآن الذي كرر للمسلمين أن لا سلطة للشيطان البتة على الإنسان ما لم يتبعه نفر من الغاوين .
فكرة الشيطان تبدأ معنا في اللحظة التي صاح فيها (أنا) في المشهد الذي يصوره لنا القرآن عند خلق أبو البشر آدم عليه السلام وأمر الله تعالى للملائكة ومعهم الشيطان السجود لآدم اعترافا ً بجليل خلق الله لهذا المخلوق المدهش .
الشيطان وهو مخلوق لله تعالى كان ولا يزال خاضعا ً لسلطان الله وأمره وإن بدا انه اختار عصيان أمر الله، قراره بالعصيان مرتبط فقط مع طبيعة علاقته مع البشر ، لقد قبل الشيطان أن يكون رافضا ً لأمر الله في ذات اللحظة التي قبل فيها الإنسان أن يكون طائعا ً لأمر الله . ومابين الطاعة ورفضها تحددت شكل العلاقة بين الشيطان والإنسان ، إنها علاقة تضاد وعدوانية بين كائنين من مخلوقات الله .
وهب الله تعالى الإنسان الحرية في الاختيار جعلته يتردد بين خيارين متعارضين هما : إما أن يقاوم أمر الله أو يستسلم له
الصنف البشري الذي اختار المقاومة صار من السهل على الشيطان الاستحواذ عليه ، أما من اختار طاعة الله فسيكون أمامه مهمة جليلة عصيبة ، عليه أن يعرف الله ليعبده وبمعنى أدق عليه أن يختار بملء حريته الطريق الصحيح لمعرفة الله وعبادته ، وان خيارات الإنسان ( بصنفيه ) لا تنقص من سلطة الله او تهددها ، بل الخطورة تكمن عندما يختار الإنسان طريقا ً خاطئا ً  لمعرفة الله وعبادته وهو يظن انه يحسن صنعا ً ( أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا )الآية 8  سورة فاطر ، وهذا الطريق الخاطىء هو الطريق الذي لم يدرك فيه سالكه صفات الله تعالى كما وردت في كتابه ( القرآن ) كلام الله تعالى وخطابه للبشر .
حتى نفهم ( الكمال المطلق ) لله تعالى علينا إدراك قدرة الإنسان على تجريب الخير والشر والقرآن يقرر أن إلحاق الإنسان الأذى بنفسه يعتمد على قرار الإنسان ذاته ولا علاقة للشيطان في ذلك قال تعالى ( ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ) وبرغم أن علاقة الإنسان بالشيطان هي ( العداوة) لكن علاقة الإنسان بالله تعالى هي علاقة محبة فالله تعالى يحب ( الصادقين والمحسنين والتوابين والصابرين والمقسطين .. الخ ) وهناك من البشر من اختار رفض هذه المحبة ومن أولئك ( الطاغين والمعتدين والآثمين والخائنين ... الخ )
ولا يعني أن الله تعالى يسمح للإنسان أن يكون في الصنف الثاني انه جل في علاه  أراد أن يضل هذا الصنف عن السبيل السليم لمعرفة الله وهذا ما تقوله الآية الكريمة ( يضل من يشاء ويهدي من يشاء ) فالله يضل من اختار الضلالة ويهدي من اختار الهداية ، وهنا لا يهمنا قول الذين اختاروا الضلالة والتيه سواء ظنوا إنهم  يعبدون الله أو يعبدون الشيطان أو حتى يعبدون هوى أنفسهم ، ونحن نستطيع وبسهولة تمييز الذين أحبهم الله عمن سواهم من خلال عطاءهم للحياة البشرية ومنفعتهم للأرض ومن عليها وكذلك يمكننا ان نميز متبني الشر من خلال مشاهدة أشكال مفجعة من القسوة والفظاظة والسادية وحب التملك والحقد والكراهية وقد تتطور هذه الصور إلى مضامين فعلية كالقتل والسرقة والزنا .
يمكن تحول الإنسان إلى شيطان عاص ٍ بل ويأمر ويقود غيره من البشر إلى تبني فعل الشر عندما يتبنى عقيدة انه ظل الله على الأرض فيتسلط على رقاب الناس بحجة إقامة العدل ويساعده في ذلك آليات (عبادة الفرد) التي تفسر لنا كيف يخضع الناس لحكامهم وملوكهم مهما بدا من ظلمهم أو بلادتهم أو شرورهم وكما تقول الأسطورة ( حتى لو كان الملك عاريا ً فان الناس جميعا ً يعتقدون انه يرتدي أبهى الحلل ) والعري هنا قصد به العري الفكري مجازا ً.