يقول الإمام علي في وصف :
أنبياء الله تعالى
. . . . فَاسْتَوْدَعَهُمْ فِي أَفْضَلِ مُسْتَوْدَع،
وَأَقَرَّهُمْ فِي خَيْرِ مُسْتَقَرّ، تَنَاسَخَتْهُمْ كَرَائِمُ
الاَْصْلاَبِ إِلَى مُطَهَّرَاتِ الاَْرْحَامِ; كُلَّمَا مَضَى
سَلَفٌ، قَامَ مِنْهُمْ بِدِينِ اللهِ خَلَفٌ, حَتَّى أَفْضَتْ
كَرَامَةُ اللهِ سُبْحَانَهُ إِلَى مُحَمَّد(صلى الله عليه وآله)،
فَأَخْرَجَهُ مِنْ أَفْضَلِ الْمَعَادِنِ مَنْبِتاً، وَأَعَزِّ
الاَْرُومَاتِ مَغْرِساً،
مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي صَدَعَ مِنْهَا أَنْبِيَاءَهُ، وَانْتَجَبَ
مِنْهَا أُمَنَاءَهُ.عِتْرَتُهُ خَيْرُ الْعِتَرِ،
وَأُسْرَتُهُ خَيْرُ الاُْسَرِ، وَشَجَرَتُهُ خَيْرُ الشَّجَرِ;
نَبَتَتْ فِي حَرَم، وَبَسَقَتْ فِي كَرَم، لَهَا فُرُوعٌ طِوَالٌ،
وَثَمَرٌ لاَيُنَالُ.فَهُوَ إِمَامُ مَنِ اتَّقَى، وَبَصِيرَةُ مَنِ
اهْتَدَى، وسِرَاجٌ لَمَعَ ضَوْؤُهُ، وَشِهَابٌ سَطَعَ نُورُهُ
وَزَنْدٌ بَرَقَ لَمْعُهُ; سِيرَتُهُ الْقَصْدُ،
وَسُنَّتُهُ الرُّشْدُ، وَكَلاَمُهُ الْفَصْلُ، وَحُكْمُهُ
الْعَدْلُ; أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَة
مِنَ الرُّسُلِ، وَهَفْوَة
عَنِ الْعَمَلِ، وَغَبَاوَة مِنَ الاُْمَمِ.
رسول الله (ص)
. . . . إِلَى أَنْ بَعَثَ اللهُ سُبْحَانَهُ
مُحَمَّداً(صلى الله عليه وآله) لاِِنْجَازِ عِدَتِهِ وَتَمامِ
نُبُوَّتِهِ،
مَأْخُوذاً عَلَى النَّبِيِّينَ مِيثَاقُهُ، مَشْهُورَةً سِمَاتُهُ،
كَرِيماً مِيلادُهُ. وَأهْلُ الاَْرْضِ يَوْمَئِذ مِلَلٌ
مُتَفَرِّقَةٌ، وَأَهْوَاءٌ مُنْتَشِرَةٌ، وَطَرَائِقُ
مُتَشَتِّتَةٌ، بَيْنَ مُشَبِّه للهِِ بِخَلْقِهِ، أَوْ مُلْحِد في
اسْمِهِ، أَوْ مُشِير إِلَى غَيْرهِ، فَهَدَاهُمْ بهِ مِنَ
الضَّلاَلَةِ، وَأَنْقَذَهُمْ بمَكانِهِ مِنَ الجَهَالَةِ.ثُمَّ
اخْتَارَ سُبْحَانَهُ لُِمحَمَّد صلى الله عليه لِقَاءَهُ، وَرَضِيَ
لَهُ مَا عِنْدَهُ، فَأَكْرَمَهُ عَنْ دَارِالدُّنْيَا، وَرَغِبَ
بِهَ عَنْ مُقَارَنَةِ البَلْوَى، فَقَبَضَهُ إِلَيْهِ كَرِيماً،
وَخَلَّفَ فِيكُمْ مَا خَلَّفَتِ الاَْنْبيَاءُ في أُمَمِها، إذْ لَم
يَتْرُكُوهُمْ هَمَلاً، بِغَيْر طَريق واضِح، ولاَعَلَم قَائِم,
ابْتَعَثَهُ بِالنُّورِ الْمُضِىءِ، وَالْبُرهَانِ الْجَليِّ،
وَالْمِنْهَاجِ الْبَادِي،
وَالْكِتَابِ الْهَادِي. أُسْرَتُهُ خَيْرُ أُسْرَة، وَشَجَرَتُهُ
خَيْرُ شَجَرَة، أَغصَانُهَا مُعْتَدِلَةٌ، وَثِمَارُهَا
مُتَهَدِّلَةٌ.مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ، وَهِجْرَتُهُ بِطَيْبَةَ، عَلا
بِهَا ذِكْرُهُ، وَامْتَدَّ مِنْهَا صَوْتُهُ. أَرْسَلَهُ بِحُجَّة
كَافِيَة، وَمَوْعِظَة شَافِية، وَدَعْوَة مُتَلافِيَة, أَظْهَرَ
بِهِ الشَّرائِعَ الْـمَجْهُولَةَ، وَقَمَعَ بِهِ
الْبِدَعَ الْمَدْخُولَةَ، وَبَيَّنَ بِهِ الاَْحْكَامَ
الْمَفْصُولَةَ. فَـ (مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الاسْلامِ دِيناً)
تَتَحَقَّقْ
شِقْوَتُهُ، وَتَنْفَصِمْ عُرْوَتُهُ، وَتَعْظُمْ كَبْوَتُهُ،
وَيَكُنْ مَآبُهُ إلَى الْحُزْنِ الطَّوِيلِ وَالْعَذَابِ الْوَبيلِ,
مُسْتَقَرُّهُ خَيْرُ مُسْتَقَرٍّ، وَمَنْبِتُهُ أَشْرَفُ مَنْبِت،
فِي مَعَادِنِ الْكَرَامَةِ، وَمَمَاهِدِ السَّلاَمَةِ.قَدْ
صُرِفَتْ نَحْوَهُ أَفْئِدَةُ الاَْبْرَارِ، وَثُنِيَتْ إِلَيْهِ
أَزِمَّةُ الاَْبْصَارِ، دَفَنَ اللهُ بِهِ الضَّغَائِنَ، وَأَطْفَأَ
بِهِ الثَّوَائِرَ، وأَلَّفَ بِهِ إِخْوَاناً، وَفَرَّقَ بِهِ
أَقْرَاناً، أَعَزَّ بِهِ الذِّلَّةَ، وَأَذَلَّ بِهِ الْعِزَّةَ،
كَلاَمُهُ بَيَانٌ، وَصَمْتُهُ لِسَانٌ,
بَعَثَهُ
وَالنَّاسُ ضُلاَّلٌ فِي حَيْرَة، وَحَاطِبُونَ فِي فِتْنَة،
قَدِ اسْتَهْوَتْهُمُ الاَْهْوَاءُ، وَاسْتَزَلَّتْهُمُ
الْكِبْرِيَاءُ، وَاسْتَخَفَّتْهُمُ الْجَاهِلِيِّةُ الْجَهْلاَءُ;
حَيَارَى فِي زَلْزَال مَنَ الاَْمْرِ، وَبَلاَء مِنَ الْجَهْلِ،
فَبَالَغَ(صلى الله عليه وآله) فِي النَّصِيحَةِ، وَمَضَى عَلَى
الطَّرِيقَةِ، وَدَعَا إِلَى الْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ,
اخْتَارَهُ مِنْ شَجَرَةِ الاَْنْبِيَاءِ، وَمِشْكَاةِ الضِّيَاءِ،
وَذُؤَابَةِ الْعَلْيَاءِ، وَسُرَّةِ الْبَطْحَاءِ،
وَمَصَابِيحِ الظُّلْمَةِ، وَيَنَابِيعِ الْحِكْمَة,
طَبِيبٌ دَوَّارٌ بِطِبِّهِ، قَدْ أَحْكَمَ
مَرَاهِمَهُ، وَأمْضى مَوَاسِمَهُ،
يَضَعُ من ذلِكَ حَيْثُ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ، مِنْ قُلُوب عُمْي،
وَآذَان صُمٍّ، وَأَلْسِنَة بُكْم; مُتَتَبِّعٌ بِدَوَائِهِ
مَوَاضِعَ الْغَفْلَةِ، وَمَوَاطِنَ الْحَيْرَةِ; لَمْ يَسْتَضِيئُوا
بِأَضْوَاءِ الْحِكْمَةِ، وَلَمْ يَقْدَحُوا بِزِنَادِ الْعُلُومِ
الثَّاقِبَةِ; فَهُمْ فِي ذلِكَ كَالاَْنْعَامِ السَّائِمَةِ،
وَالصُّخُورِ الْقَاسِيَةِ.ِ.
الضمير في «عِدَتِهِ» لله تعالى، والمراد وعد الله بإرسال
محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) على لسان أنبيائه السابقين.
سِمَاتُهُ: علاماته التي ذُكِرَتْ في كتب الانبياء السابقين
الذين بشروا به. المُلْحِدُ في اسم الله: الذي يميل به عن حقيقة
مسماه
المنهاج البادي: أي الظاهر. متهدّلة: متدلّية، دانية للاقتطاف.
طَيْبة: المدينة المنورة مُتلافية: من تلافاه تداركه بالاصلاح
قبل أن يهلكه الفساد، فدعوة النبي تلافت أمور الناس قبل هلاكهم.
المفصولة: التي فصلها الله أي قضى بها على عباده. الكَبْوَة:
السقطة. المآب: المرجع.
المَمَاهد ـ جمع مَمْهد كمقعد ـ: ما يُمْهَدُ أي يُبْسَطُ فيه
الفراش ونحوه. الازِمّة كأئمة : جمع زِمام. وانْثِنَاء الازمة
إليه كناية عن تَحَوّلها نحوه. الضغائن: الاحقاد. الثوائِر: جمع
ثائرة، وهي: العداوة الواثبة بصاحبها على أخيه ليضرّه إن لم
يقتله.
حاطِبُون:
جمع حاطب، وهو الذي يجمع الحطب، يقال لمن يجمع الصواب والخطأ:
حاطِبُ ليل. استَزَلَّتهُمْ: أدّت إلى الزّلَل والسقوط في
المضَارّ. استَخَفّتْهُم: طَيّشَتْهُمْ. الجَهْلاَء: وصف مبالغة
للجهل
الذّؤابة: الناصية، أومنبِتُها من الرأس. البَطْحاء: ما بين
أخْشَبَيْ مكة، كانت تسكنه قبائل من قريش، ويقال لهم قريش
البِطاح.
مَوَاسِمُه: جمع مِيسَم ـ بكسر الميم ـ وهو المِكْواة، يجمع على
مواسم وَمَيَاسم.
Mahmoud Khaliel
|
|
|