النظام الاقتصادي الاجتماعي
الثلث الأخير من سورة البقرة
كتاب في ظلال القرآن – سيد قطب
نظام الزكاة مقابل نظام
الربا
الدرس
الثاني:277 نظام الزكاة مقابل نظام الربى
وفي
الصفحة المقابلة لصفحة الكفر والإثم , والتهديد الساحق لأصحاب منهج
الربا
ونظامه
,
يعرض صفحة الإيمان والعمل الصالح , وخصائص الجماعة المؤمنة في هذا
الجانب
,
وقاعدة الحياة المرتكزة إلى النظام الآخر - نظام الزكاة - المقابل
لنظام الربا:
(إن
الذين آمنوا وعملوا الصالحات , وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم
عند
ربهم
,
ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون). .
والعنصر
البارز في هذه الصفحة هو عنصر "الزكاة " . عنصر البذل بلا عوض ولا رد .
والسياق
يعرض بهذا صفة المؤمنين وقاعدة المجتمع المؤمن . ثم يعرض صورة الأمن
والطمأنينة
والرضى الإلهي المسبغ على هذا المجتمع المؤمن .
إن
الزكاة هي قاعدة المجتمع المتكافل المتضامن ; الذي لا يحتاج إلى ضمانات
النظام
الربوي في أي جانب من جوانب حياته .
وقد
بهتت صورة "الزكاة " في حسنا وحس الأجيال التعيسة من الأمة الإسلامية
التي
لم
تشهد نظام الإسلام مطبقا في عالم الواقع ; ولم تشهد هذا النظام يقوم
على أساس
التصور
الإيماني والتربية الإيمانية والأخلاق الإيمانية , فيصوغ النفس البشرية
صياغة
خاصة , ثم يقيم لها النظام الذي تتنفس فيه تصوراتها الصحيحة وأخلاقها
النظيفة
وفضائلها
العالية . ويجعل "الزكاة " قاعدة هذا النظام , في مقابل نظام الجاهلية
الذي
يقوم على القاعدة الربوية . ويجعل الحياة تنمو والاقتصاد يرتقي عن طريق
الجهد
الفردي
,
أو التعاون البريء من الربا !
بهتت
هذه الصورة في حس هذه الأجيال التعيسة المنكودة الحظ التي لم تشهد تلك
الصورة
الرفيعة من صور الإنسانية . إنما ولدت وعاشت في غمرة النظام المادي ,
القائم
على
الأساس الربوي . وشهدت الكزازة والشح , والتكالب والتطاحن , والفردية
الأثرة
التي
تحكم ضمائر الناس . فتجعل المال لا ينتقل إلى من يحتاجون إليه إلا في
الصورة
الربوية
الخسيسة ! وجعلت الناس يعيشون بلا ضمانات , ما لم يكن لهم رصيد من
المال ;
أو
يكونوا قد اشتركوا بجزء من مالهم في مؤسسات التأمين الربوية ! وجعلت
التجارة
والصناعة
لا تجد المال الذي تقوم به , ما لم تحصل عليه بالطريقة الربوية ! فوقر
في
حس
هذه الأجيال المنكودة الطالع أنه ليس هناك نظام إلا هذا النظام ; وأن
الحياة لا
تقوم
إلا على هذا الأساس !
بهتت
صورة الزكاة حتى أصبحت هذه الأجيال تحسبها إحسانا فرديا هزيلا , لا
ينهض
على
أساسه نظام عصري ! ولكن كم تكون ضخامة حصيلة الزكاة , وهي تتناول اثنين
ونصفا
في
المائة من أصل رؤوس الأموال الأهلية مع ربحها ? يؤديها الناس الذين
يصنعهم
الإسلام
صناعة خاصة , ويربيهم تربية خاصة , بالتوجيهات والتشريعات , وبنظام
الحياة
الخاص
الذي يرتفع تصوره على ضمائر الذين لم يعيشوا فيه ! وتحصلها الدولة
المسلمة ,
حقا
مفروضا , لا إحسانا فرديا . وتكفل بها كل من تقصر به وسائله الخاصة من
الجماعة
المسلمة
;
حيث يشعر كل فرد أن حياته وحياة أولاده مكفولة في كل حالة ; وحيث يقضي
عن
الغارم
المدين دينه سواء كان دينا تجاريا أو غير تجاري , من حصيلة الزكاة .
وليس
المهم هو شكلية النظام . إنما المهم هو روحه . فالمجتمع الذي يربيه
الإسلام
بتوجيهاته
وتشريعاته ونظامه , متناسق مع شكل النظام وإجراءاته , متكامل مع
التشريعات
والتوجيهات , ينبع التكافل من ضمائره ومن تنظيماته معا متناسقة متكاملة
.
وهذه
حقيقة قد لا يتصورها الذين نشأوا وعاشوا في ظل الأنظمة المادية الأخرى
.
ولكنها
حقيقة نعرفها نحن - أهل الإسلام - ونتذوقها بذوقنا الإيماني . فإذا
كانوا هم
محرومين
من هذا الذوق لسوء طالعهم ونكد حظهم - وحظ البشرية التي صارت إليهم
مقاليدها
وقيادتها - فليكن هذا نصيبهم ! وليحرموا من هذا الخير الذي يبشر الله
به:
الذين
آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة . . ليحرموا من
الطمأنينة
والرضى
,
فوق حرمانهم من الأجر والثواب . فإنما بجهالتهم وجاهليتهم وضلالهم
وعنادهم
يحرمون
!
إن
الله - سبحانه - يعد الذين يقيمون حياتهم على الإيمان والصلاح والعبادة
والتعاون
,
أن يحتفظ لهم بأجرهم عنده . ويعدهم بالأمن فلا يخافون . وبالسعادة فلا
يحزنون:
(لهم
أجرهم عند ربهم , ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون). .
في
الوقت الذي يوعد أكلة الربا والمجتمع الربوي بالمحق والسحق , وبالتخبط
والضلال
,
وبالقلق والخوف .
يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ
مِنَ
الرِّبَا
إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (278)
وشهدت
البشرية ذلك واقعا في المجتمع المسلم ; وتشهد اليوم هذا واقعا كذلك
في
المجتمع الربوي ! ولو كنا نملك أن نمسك بكل قلب غافل فنهزه هزا عنيفا
حتى يستيقظ
لهذه
الحقيقة الماثلة ; ونمسك بكل عين مغمضة فنفتح جفنيها على هذا الواقع .
. لوكنا
نملك
لفعلنا . . ولكننا لا نملك إلا أن نشير إلى هذه الحقيقة ; لعل الله أن
يهدي
البشرية
المنكودة الطالع إليها . . والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن .
والهدى
هدى
الله . .
الصفحة
الرئيسية