نحو قراءة رشيدة للإسلام

من كتاب القرآن والسلطان / فهمي هويدي

 

معذور كل مسلم توقعه محاولة القراءة الصحيحة للإسلام في حيرة من أمره. عندما يفاجأ بأن الذين يتحدثون عن الاشتراكية والرأسمالية، وعن القومية والأممية، وعن اليمين واليسار، وعن الانحياز للفقراء والانتصار للأغنياء، وعن حكم الشعب وحكم الفرد.. هؤلاء جميعا، يفاجأ المسلم، بأنهم يجدون في نصوص القرآن والسنة ما يحتمون ويحاجون به. يعثرون على أسانيدهم بالحسنى حينا، وبالعسف والتأويل حينا أخرى، لكنهم في النهاية يتكئون على الدين ويطوعون نصوصه.

ومن حق المسلم، وكل إنسان محايد، أن يسأل: أي إسلام هذا الذي تستطيع أن تغترف منه كيفما شئت، ويتكيف معك دائما ولا يستعصى عليك أبدا؟
قبل أن نرد ونناقش، لا بد أن نذكر أن الإسلام لا يتفرد بهذه الظاهرة، فما أكثر الذين يحاولون الاحتماء بالسماء في كل دين وملة، وما أكثر الخطايا والمظالم التي ارتكبت في حق الناس عبر العصور، واستخدم فيها اسم الله سبحانه وتعالى، زورا وبهتانا. ألم تنشأ محاكم التفتيش ـ مثلا ـ باسم المحافظة على العقيدة الكاثوليكية، وألم ترتكب كل فظائعها التي لا يزال يخجل منها تاريخ الإنسان بحجة الدفاع عن تعاليم المسيح؟!
لكن الإسلام هو موضوعنا، وهو ما يعنينا في هذا المقام. قضية الفهم المغلوط للإسلام ـ تحديدا ـ هي ما يشغلنا، وما نحاول أن نعالجه بالدعوة الى القراءة الواعية والرشيدة لنصوص الكتاب والسنة.


كنت في زيارة لبنجلاديش، وقد أتيح لي هناك أن أزور مصيفها " كوكس بازار"، الذي يقع غير بعيد عن بورما. حيث قادني مرافقي لزيارة بيوت القادمين من ذلك البلد المجاور.  وفي أحد البيوت رأيت نساء بورما اللاتي يعتنقن الديانة البوذية يجلسن أمام أنوال النسيج، حيث يعملن طوال اليوم، ثم يبعن انتاجهن ذي الألوان الزاهية للسياح. أشار مرافقي الى الجالسات وقال: هن يعملن في البيوت ويربحن الكثير، لكن نساءنا غير مسموح لهن بالعمل طبقا لتعاليم الإسلام، ولهذا فإن الفقيرات منهن يلجأن الى الشحاذة ومد الأيدي للسياح في الطرقات!


قال مرافقي الكلام بشيء من الأسف، مشيرا الى أن أهل هذا البلد الفقير يفضلن الشحادة في ظل تعاليم الإسلام، عن العمل وارتكاب معصية الله تعالى!!
وربما كان هذا مثلا صارخا، ولكنه يعكس جانبا من الفهم المغلوط الذي يصل الى حد طعن الإسلام في أعز قيمه، عمل المسلم وكرامته.
لماذا شاع ذاك الفهم المغلوط للإسلام؟


ربما نعثر على إجابة عن السؤال إذا حاولنا أن نتلمس جذور المشكلة، بتركيز خاص على القرآن والسنة المنبع الأول للإسلام. والمنبع الثاني الذي يكمله.
لنبدأ بالقرآن..


ثمة إتفاق بين الأولين والآخرين ان القراءة الصحيحة للقرآن ينبغي أن يتوفر لها شرطان:

الأول: المعرفة باللغة، أو ما يطلق عليه الفقهاء " علم لسان العرب"، والثاني: المعرفة بأسرار الشريعة ومقاصدها، وهو ما يسميه رجال القانون " روح التشريع".
أي أن الأمر لا يحتاج فقط الى قراءة للنصوص، ولكن يتطلب أيضا فهما لما وراء النصوص، وهو ما صار علما عرف بإسم " أصول الفقه".
ولم تكن هناك مشكلة في العصر الإسلامي الأول، على عهد النبي عليه السلام. كانت اللغة العربية بخير، وكان الصحابة والعرب جميعا على دراية واسعة بها. وبحكم صحبة رسول الله استطاع الصحابة أن يتفهموا تماما روح الشريعة ومقاصدها وأسباب نزول كل آية وكل سورة في القرآن.
وعندما ذهب عصر الصحابة، وزحف الضعف السياسي الى جسد الأمة الإسلامية تدريجيا، بدءا بالملكية التي ابتدعها الأمويون، وانتهاء بالمماليك الذين استجلبوا من أطراف العالم الإسلامي ليصبحوا خدما وحشما وأغوات، ثم حكاما إذا واتتهم الفرصة. عندئذ كان من الطبيعي أن يزحف التحلل والتدهور الى الصعيد الفكري والثقافي.
وكان انعكاس هذه العهود على الفكر الديني واضحا، إذ انصرف الكثيرون عن جوهر الدين ومضمونه الى شكله وقشوره. اهمل الفقهاء مقاصد الشريعة وشغلوا أنفسهم بمباحث اللغة فيها ( ونحن هنا نتحدث عن القاعدة لا الاستثناء).


وهكذا بقي علم أصول الفقه ـ يقول الفقيه المصري عبدالله دراز ـ " فاقدا قسما عظيما، هو شطر العالم الباحث عن أحد ركنيه". صار الفقه محصورا في قراءة النصوص، وشرحها، وتبويبها، ووضها في قوالب مختلفة.


في هذا المناخ، ظهرت المذاهب والفرق التي اختلفت وتقاتلت حول كلمات القرآن وحروفه وظاهره وباطنه. وشغل المسلمون طويلا بالإجابة عن سؤال: هل القرآن حروفه وظاهره قديم أم حادث؟ أبدي أم مخلوق؟ ( عذب الإمام أحمد بن حنبل وجلد بالسياط بسبب هذه القضية)، وضيع علماء كثيرون جهدهم في مناقشة قضايا الجبر والاختيار ( هل الإنسان مسير أم مخير؟).. وظهر علم الكلام، بفلسفاته وجدله ومتاهاته. وأفنى آخرون أعمارهم في دراسة أسرار البلاغة واعجاز القرآن. وهو ما لا ننكر قيمته بالطبع، لكننا نقول فقط انه كان يعكس اهتماما بركن واحد فقط لعلم أصول الفقه.
وهي ليست مصادفة في الواقع، بل أكاد أقول إنها كانت تداعيا تلقائيا في مراحل، وتوجها مقصودا في مراحل أخرى. إذ كيف يكون التخلف السياسي مصحوبا باستنارة فكرية؟ ثم، عندما يسري الفساد في نظام وتمضي الأمور على عكس ما تستهدفه الشريعة للإنسان والمجتمع، هل يشغل الفقهاء بعلم الكلام أم بمقاصد الشريعة؟؟
وربما كان من مفارقات القدر أن يرتبط مولد الدولة الأموية بأشهر قصص الخديعة بالقرآن، واستخدامه سلاحا لتحقيق المطامع والأهواء.
ولعلنا نذكر ما جرى في موقعة صفين، بين علي ابن أبي طالب خليفة المسلمين، ومعاوية بن أبي سفيان والي الشام الطامع في الخلافة. عندما رجحة كفة الإمام في القتال، فتدخل عمرو بن العاص بدهائه المعروف، وهمس في أذن معاوية داعيا الى الاحتماء بالقرآن بحجة الاحتكام إليه. ثم قال عبارته الشهيرة: إنهم إذا قبلوه اختلفوا، وإن ردوه اختلفوا. وكانت المفاجأة لعلي ابن أبي طالب، إذ رأى في اليوم التالي رجال معاوية قد رفعوا خمسمائة مصحف على سيوفهم، بينما المنادون يرددون وسط رجال علي: هذا كتاب الله بيننا وبينكم! ثم توالت أحداث القصة المثيرة، التي انتهت بخلع علي وتثبيت معاوية مكانه.
المهم أن أحدا لم يسأل نفسه وسط الاضطراب والهرج الذين دبا في الصفوف، لماذا يقحم كتاب الله في معركة كهذه؟
لكن الإمام علي كان أعلم من غيره بالقرآن، وأدرى بإمكانية استخدامه والتلاعب بألفاظه وآياته، تبعا للهوى. وهو الذي نصح عبدالله بن عباس عندما أرسله مبعوثا الى الخوارج ليضمهم الى الصف ويثنيهم عن الشقاق، فقال له؛ " لا تخاصمهم بالقرآن، فإن القرآن حمال ذو وجوه، ولكن حاججهم بالسنة، فإنهم لن يجدوا عنها محيصا"، ويفسر الإمام محمد عبده نصيحة الإمام علي ابن أبي طالب بقوله: أنه أراد أن ينبه ابن عباس الى أن القرآن يحمل معان كثيرة " إن أخذت بأحدها، احتج الخصم بالآخر".


وكلمات الإمام علي هذه بالغة الأهمية والدلالة، وتشكل أحد المفاتيح التي يمكن أن تفيدنا في فهم أبعاد القضية التي نناقشها، ذلك أن القرآن الكريم " حمال أوجه" حقا، تستطيع أن تطوع نصوصه لصالح أي موقف تختاره، في مسافة تتسع من الالتزام بقصد الشريعة الى محاولات نقض الشريعة! من الانتصار بالقرآن الى الانتحار بالقرآن، كما قلت في مناقشة سابقة.


لقد كان طبيعيا ومنطقيا في كتاب أنزل ليكون خالدا أن يمس حياة الناس في الكليات لا الجزئيات. فيما هو ثابت، وليس متغيرا.
وكان طبيعيا ومنطقيا في كتاب يمجد الإنسان ويعلن أن الكون كله مسخر له بل يعتبره خليفة الله في أرضه، أن يعطي لهذا الإنسان فرصة واسعة للاختيار وصنع واقعه تبعا لاحتياجته، وما يستجد في حياته الدائمة الحركة والتطور.


لقد رسم القرآن له الطريق، ووفر له الزاد والعتاد، وهو بعد ذلك حر في اختياره يتقدم الى الأمام أو ينتكس الى الوراء
هذا عن حملة القرآن، وماذا عن القرآن ذاته؟


يقول المعتزلة ويؤيدهم أكثر الفقهاء أن أحكام الشرع معطلة بمصالح العباد.


ويقول الإمام أبو إسحاق الشاطبي ( الغرناطي الأصل) في كتابه الشهير "الموافقات" إن الشرائع تابعة للمصالح. أي أن القراءة الصحيحة للإسلام ينبغي أن تتم في ضوء إدراك هذه المصالح والتأكيد على ضرورة استمرارها. وهذه الرؤية النفاذة لجوهر الدين ومقاصده، هي ذاتها التي دفعت فقيها جليلا مثل ابن قيم الجوزية يقول بغير تردد انه:" إذا ظهرت أمارت العدل وأسفر وجهه بأي طريق كان، فثم شرع الله ودينه".


وفي مقدمة "الموافقات" يقول الشيخ عبدالله دراز ـ الذي حقق الكتاب عن مخطوطة مغربية ـ ان تكاليف هذه الشريعة المعصومة ليست موضوعة حيثما اتفق، لمجرد ادخال الناس تحت سلطة الدين، بل وضعت لتحقيق مقاصد الشارع في قيام مصالحهم في الدين والدنيا.
وهذا مفتاح آخر له أهمية في محاولة القراءة الصحيحة للقرآن الكريم.
يضيف الإمام الشاطبي أن هذه المصالح تستهدف:
** اما شيء من الضروريات الخمس ( الدين والنفس والعقل والنسل والمال) ـ " التي هي أسس العمران المرعية في كل ملة، والتي لولاها لم تجر مصالح الدنيا على استقامة".

**وإما حفظ شيء من الحاجيات كأنواع المعاملات، "التي لولا ورودها على الضروريات لوقع الناس في الضيق والحرج".
**وإما حفظ شيء مما أطلق عليه "التحسينات" التي ترجع الى مكارم الأخلاق ومحاسن العادات".


وقد كان هذا المنهج وراء استقرار مجموعة من القواعد الفقهية الأساسية في التفكير الإسلامي مثل: لا ضرر ولا ضرار ـ ولا تزر وازرة وزر أخرى ـ إنما الأعمال بالنيات ـ من اضطر غير باغ ولا عاد فلا اثم عليه ـ الضرورات تبيح المحظورات ـ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ـ تغير الأحكام بتغير الأمكنة والأزمنة .. وهكذا..
إن قراءة نصوص القرآن بهذا المنظار كفيلة بأن تصد العديد من التأويلات التي تلصق بكتاب الله ظلما وعدوانا، وتبدد الكثير من الإساءات التي نسبت الى القرآن، وترفع الحرج عن أولئك الذين تسببت القراءة المغلوطة للإسلام في تضييق سبل الحياة عليهم، وإغراقهم في الإحساس الدائم بالذنب.
لننتقل الآن الى السنة، المنبع الثاني للتفكير الإسلامي..


لقد ظلمت هذه السنة كثيرا، وحملت فوق ما تحتمل، لنفس السبب، القراءة بأعين مغمضة! ولن نتحدث هنا عما هو مدسوس ومنسوب الى الرسول عليه السلام بغير وجه حق، فذلك أمره معروف. ولكن ما أعنيه هو الصحيح المنسوب الى النبي، الذي اعتبره البعض تشريعا ملزما للمسلمين في كل زمان ومكان، الأمر الذي أوقع المسلمين في حرج آخر. وهو ما يعترض عليه فقهاء كثيرون، ضاعت أصواتهم ولم تسمع وسط الهرج الذي يسود التفكير المنسوب للإسلام، والمزاد المقام باسم الشريعة.


وقد كان الإمام الشيخ محمد شلتوت، واحدا من الذين حاولوا بالمنطق الهادئ أن ينبهوا الى "ضرورة القراءة الصحيحة للسنة". وسجل رأيه في كتابه المعروف " الإسلام عقيدة وشريعة"، قائلا: إن السنة تشريع وليس تشريع.
فمن السنة التي لا تعتبر تشريعا ولا تلزم المسلمين: ما يعتبر سلوكا شخصيا للرسول عليه السلام، أو آراء مبنية على اجتهادات وتجارب خاصة. ولعلنا نذكر هنا قصته مع بعض أهل المدينة، الذين نصحهم في مسألة زراعة النخل، وعندما أبلغ بأن نصيحته لم تحقق هدفها المرجو، قال: أنتم أعلم بشؤون دنياكم.
ثم يضيف الشيخ شلتوت: ان السنة التي تعد تشريعا لها درجات:

· ما صدر عن النبي باعتباره مبلغا ورسولا " كأن يبين مجملا في القرآن أو يخصص عاما، أو يين شأنا في العبادات، أو الحلال أوالحرام، أو العقائد والأخلاق". وهذا يعتبر تشريعا ثابتا، ملزما لكافة المسلمين، متى عملوا به.
· ما صدر عن الرسول بوصفه إماما لجماعة المسلمين، مثل بعث الجيوش، وانفاق بيت المال، وتولية القضاة وعقد المعاهدات، وذلك لا يعد تشريعا عاما، فلا يجوز الإقدام عليه إلا بإذن الحاكم. وليس لأحد أن يفعل منه شيئا من تلقاء نفسه بحجة أن النبي فعله أو طلبه.
· ما صدر عن الرسول لا باعتباره مبلغا، ولا باعتباره إماما للمسلمين، ولكنه صدر عنه باعتباره قاضيا يفصل في الدعوى بين المسلمين، وذلك لا يعد تشريعا. فليس لأحد أن يستند الى حكم قضى به الرسول لينال حقا له دون الرجوع الى سلطة أو قضاء.

وهذا التصنيف للأحاديث النبوية لم يلق الاهتمام الكافي من الفقهاء، الذين كان أكثر تركيزهم ، كما في القرآن ـ على ضبط الأحاديث وتحقيقها
وهذا الجانب من الدراسة يمكن بغير شك من اداء القراءة الحديثة للسنة، لأن ذلك سوف يسمح بتحديد الالتزام بكل حديث، وسيرفع حرجا عن المسلمين يعانون منه نتيجة اللبس القائم في هذا المجال. واختلافات الفقهاء في شأن الأحاديث ـ من هذه الزاوية ـ لا يستهان بها.
مثلا، عندما شكت زوجة أبي سفيان الى رسول الله بخل زوجها وشحه، قال لها" خذي لك ولولدك ما يكفيك". واختلف العلماء في ذلك ولم يتفقوا الى الآن.
هل قال الرسول كلامه بطريق الفتوى والتبليغ، فيجوز لكل من ظفر بحقه أن يأخذه بغير علم من خصمه. أو كان عن طريق القضاء، فلا يجوز لأحد أن يأخذ حقه في حالة كهذه إلا بقضاء القاضي.. رغم أن ظاهر الكلام وملابسات الموضوع، وربما مقتضيات الصالح العام، تلك كلها اعتبارات ترجح كفة الاحتمال الثاني .
 

 

 الصفحة الرئيسية

عودة إلى خلاف الإختلاف

أعلى الصفحة

حقوق الطبع محفوظة لكل مسلم يرجى ذكر المصدر عند النقل